مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

يا حراس المال العام.. شدوا المئزر


أحمد سعد الحجاج
صحفي أردني

يا حراس المال العام.. شدوا المئزر

أحمد سعد الحجاج
أحمد سعد الحجاج
صحفي أردني
مدار الساعة ـ

ليس أخطر على الأوطان من عدو يقف على حدودها، بل من فساد يتسلل إلى مؤسساتها، يتغذى من غفلة الضمير ويبحث عن أي ثغرة ينفذ منها إلى المال العام. فالفساد لا يقتحم الأوطان بالقوة بل يتسلل من أبواب التهاون، ويكبر كلما ضعفت الرقابة، وتعطلت المحاسبة، وتراجعت المساءلة.

المال العام ليس رقمًا في دفاتر الدولة، ولا بندًا في موازنة، ولا خزينة يباح العبث بها،،، إنه رغيف الخبز الذي ينتظره العامل آخر النهار، ودواء المريض، وكتاب الطالب، وطريق الحراث إلى أرضه، وحق الأرملة، وكرامة المتقاعد، ولقمة الغلبان الذي لا يملك سوى عرق جبينه. وكل دينار تمتد إليه يد الفساد هو لقمة انتزعت من جائع ودواء حرم منه مريض، وفرصة سلبت من شاب، وأمل اغتيل في قلب وطن.

ولهذا جاء التحذير الإلهي حاسمًا: لا جدال فيه ( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها)،، فالفساد ليس مجرد مخالفة مالية أو تجاوز إداري، بل عدوان على المجتمع بأسره، لأنه يهدم الثقة، ويغتال العدالة، ويستنزف مقدرات الدولة ويثقل كاهل الأجيال القادمة.

والفساد لا يولد عملاقًا، بل يبدأ صغيرًا حين يظن ضعاف النفوس أن أحدًا لن يراهم، وأن القانون لن يبلغهم. عندها تتسع شهية العبث، ويصبح المال العام غنيمة بينما يتراجع الشرفاء، ويشعر المواطن البسيط أن حقه يتآكل بصمت.

ومن هنا،، تتعاظم المسؤولية الوطنية الملقاة على عاتق مؤسسات الرقابة، وديوان المحاسبة، وهيئة النزاهة ومكافحة الفساد، فهي حصون المال العام، وعين الدولة الساهرة على صونه وسياج الثقة بين المواطن ومؤسساته. واليوم، تتطلع إليها القلوب قبل الأبصار، لتواصل أداء رسالتها بعزم لا يلين، وأن تضرب أوكار الفساد ومعاقله بقبضة القانون، وأن تكون في وجه العابثين كأسد هصور،،، إذا زأر حضرت هيبة الدولة، وإذا انقض انكسرت شوكة الفساد، فلا حصانة لمن خان الأمانة، ولا ملاذ لمن اعتدى على حق الوطن.

أما البسطاء، والعمال، والحراثون، والكادحون، والغلابى، فهم أول من يدفع الثمن وآخر من يسمع صوته.

هم الذين يواجهون أعباء الحياة، ويكدحون من أجل لقمة شريفة، بينما يلتهم الفساد ما كان ينبغي أن يعود عليهم تعليمًا، وعلاجًا وفرص عمل، وحياة كريمة. إنهم لا يدفعون فاتورة النهب من جيوبهم فحسب، بل من أعمارهم، وكرامتهم، وأحلام أبنائهم، حتى يطحنهم العوز، وينخر الفقر تفاصيل حياتهم يومًا بعد يوم.

إن قوة الدولة لا تقاس بالشعارات، بل بسيادة القانون، وحماية المال العام، ويقظة الرقابة، وعدالة المحاسبة، وفاعلية المساءلة. فحين تكون هذه القيم حاضرة، يضيق الخناق على الفساد، وتترسخ هيبة الدولة، ويطمئن المواطن أن حقوقه مصانة، وأن مقدرات وطنه في أيد أمينة.

وليعلم كل من تمتد يده إلى المال العام أن ما يظنه مكسبًا هو في حقيقته خيانة للأمانة، وعدوان على حقوق الملايين. فالأوطان لا تضعف بقلة الموارد، وإنما يرهقها الفساد إذا وجد من يغض الطرف عنه. أما حين تتكاتف مؤسسات الدولة، ويعلو سلطان القانون، وتبقى الرقابة يقظة، والمحاسبة عادلة، والمساءلة نافذة، فلن يجد الفساد موطئ قدم، وسيظل المال العام حقًا مصونًا للشعب، وأمانة مقدسة لا يجوز أن تمتد إليها يد، ولا أن تساوم عليها نفس.!!!

مدار الساعة ـ