مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

كأس العالم.. من سيدفع الفاتورة؟ وماذا سيبقى لنا من كل هذا؟ (فيديو) (video)

مدار الساعة,Video,فيديو,أخبار عربية ودولية,أخبار رياضية,كأس العالم
مدار الساعة (سي ان ان بالعربية) ـ
حجم الخط

مدار الساعة - مع كل نسخة من كأس العالم، تعود الأسئلة نفسها إلى الواجهة: من سيفوز؟ هل يكرر النجوم إنجازاتهم؟ وهل تكون البطولة محطة أخيرة لبعض الأسماء الكبرى؟ لكن خلف هذا الحماس الكروي هناك قصة أوسع بكثير من المباريات والنتائج؛ فكأس العالم لم تعد مجرد بطولة رياضية، بل أصبحت منصة سياسية واقتصادية ضخمة، تسعى الدول من خلالها إلى تحسين صورتها، وتستفيد منها الشركات والرعاة، بينما يحقق فيفا الجزء الأكبر من العائد المالي والنفوذ العالمي.

منذ بداياتها، لم تكن كأس العالم بعيدة عن معادلات القوة. فقد وُلدت البطولة في الأساس من صراع بين فيفا واللجنة الأولمبية حول مستقبل كرة القدم والاحتراف، ثم تحولت سريعاً إلى مشروع يحتاج إلى المال بقدر ما يحتاج إلى الشغف. أول نسخة في الأوروغواي عام 1930 كشفت هذه الحقيقة مبكراً: البطولة احتاجت إلى دولة مستعدة لدفع تكاليف السفر والتنظيم، في وقت كان فيه فيفا بعيداً جداً عن الإمبراطورية المالية التي نعرفها اليوم.

بعدها، بدأت السياسة تدخل أكثر إلى قلب اللعبة؛ في إيطاليا 1934، استخدم موسوليني البطولة كأداة لاستعراض قوة النظام الفاشي أمام العالم.

وبعد أربع سنوات، عاد المنتخب الإيطالي ليفوز في فرنسا، وسط أجواء أوروبية مشحونة قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية. هكذا ترسخت قاعدة سترافق كأس العالم لعقود: الدولة لا تستضيف مباريات فقط، بل تستضيف نظرة العالم إليها.

هذه القاعدة ظهرت بصورة أكثر قتامة في الأرجنتين عام 1978، حين جرت البطولة تحت حكم عسكري متهم بالقمع والاختفاءات القسرية.. على الشاشات، كانت الجماهير تهتف في الملاعب، لكن في الخلفية، كانت البلاد تعيش واحدة من أكثر مراحلها السياسية عنفاً، حتى فوز الأرجنتين الكبير على بيرو 6-0، الذي مهد طريقها إلى النهائي، ظل محاطاً بالشكوك السياسية، لا الرياضية فقط.

لكن ليس كل تاريخ كأس العالم سلسلة من الإخفاقات، هناك نماذج نجحت لأنها لم تبدأ من الصفر، الولايات المتحدة عام 1994 استخدمت ملاعب وبنية تحتية قائمة، وخرجت ببطولة ناجحة تجارياً أسهمت في دفع كرة القدم داخل السوق الأميركي.

ألمانيا عام 2006 قدمت نموذجاً آخر: بلد جاهز من حيث الملاعب والنقل والمؤسسات، فاستطاعت البطولة أن تعزز صورتها عالمياً وتترك أثراً اجتماعياً إيجابياً.

المشكلة تبدأ حين تتحول الاستضافة إلى مشروع بناء ضخم من أجل شهر واحد؛ جنوب إفريقيا 2010 كانت لحظة تاريخية: أول كأس عالم في القارة الإفريقية، وفي بلد خرج من إرث طويل من الفصل العنصري. لكن بعد انتهاء الاحتفالات، ظهرت كلفة الملاعب الضخمة التي يصعب تشغيلها وملؤها. هنا ظهر مفهوم "الفيلة البيضاء": منشآت تبدو عظيمة أمام الكاميرا، لكنها تتحول لاحقاً إلى عبء على المدن والبلديات.

البرازيل 2014 نقلت هذا السؤال إلى الشارع قبل أن تبدأ البطولة، فالدولة التي كانت تحتاج إلى مدارس ومستشفيات ونقل عام، وجدت نفسها تنفق مليارات الدولارات على ملاعب وبنية تحتية مرتبطة بالمونديال. لذلك لم تكن الاحتجاجات ضد كرة القدم بحد ذاتها، بل ضد ترتيب الأولويات: من يدفع الفاتورة؟ ومن يستفيد فعلاً؟

قطر 2022 تمثل حالة مختلفة نسبياً؛ فالدولة دخلت البطولة بإمكانات مالية كبيرة وخطط بنية تحتية أوسع ضمن رؤية طويلة المدى. لذلك، فإن الرقم المتداول عن إنفاق يتجاوز 200 مليار دولار لا يعني أن هذا كله ذهب إلى الملاعب، بل إلى مشاريع مثل المترو والمطار ومدينة لوسيل. كما حاولت قطر تفادي فخ الملاعب الفارغة عبر تصميم منشآت قابلة للتفكيك أو تقليص السعة بعد البطولة. ومع ذلك، بقي السؤال الأكبر قائماً: هل تُستخدم البطولة لتسريع خطة تنموية موجودة أصلاً، أم تُفرض على الدولة كحلم مكلف؟

في المقابل، يبقى فيفا الرابح شبه المضمون، فهو يحقق مليارات الدولارات من حقوق البث والرعاية والتسويق والتذاكر، بينما تتحمل الدول المضيفة الجزء الأكبر من الإنفاق العام. والأهم أن فيفا غالباً ما يشترط إعفاءات ضريبية واسعة داخل الدولة المضيفة، ما يعني أن الأرباح التجارية الكبرى لا تعود بالضرورة إلى خزينة البلد الذي دفع كلفة التنظيم.

ورغم أن فيفا مسجل كجمعية غير ربحية في سويسرا، فإن حجم الأموال والنفوذ الذي تديره جعله عرضة لفضائح كبرى، أبرزها فضيحة 2015 التي كشفت شبكات رشى وغسل أموال مرتبطة بحقوق البث والتسويق؛ الفضيحة أطاحت بأسماء كبيرة، لكنها لم تُضعف المنتج نفسه. بل على العكس، صارت كأس العالم أكبر وأكثر تجارية.

نسخة 2026 تكشف وجهاً جديداً من القصة. فالمشكلة هذه المرة ليست غياب الملاعب أو ضعف البنية التحتية، لأن الولايات المتحدة وكندا والمكسيك تملك مدناً قادرة على تنظيم أحداث كبرى. المشكلة هي كلفة الحضور نفسها. البطولة هي الأكبر في التاريخ: 48 منتخباً و104 مباريات في 16 مدينة. وهذا يعني إيرادات أكبر لفيفا، لكنه يعني أيضاً سفراً أطول، وتذاكر أغلى، وتجربة قد تصبح بعيدة عن المشجع العادي.

لذلك، لم يعد السؤال فقط: من سيرفع الكأس؟ بل من يملك هذه اللعبة؟ من يدفع ثمنها؟ ومن يُسمح له أصلاً بأن يكون داخل الملعب؟ كأس العالم تبقى شهراً من الحلم، لكنه حلم له فاتورة. وبعد آخر صافرة، يذهب اللقب إلى البطل، ويجمع فيفا أرباحه، وتنطفئ الكاميرات. أما المدن والمشجعون، فيبقون مع السؤال الأصعب: ماذا بقي لنا من كل هذا؟


مدار الساعة (سي ان ان بالعربية) ـ