إن مكافحة الفساد الإداري لا تبدأ بالأنظمة والتعليمات وحدها، ولا تتحقق بكثرة اللجان أو الإجراءات الرقابية فقط، بل تبدأ أولاً بوجود قيادة شجاعة تمتلك الرؤية والصلاحيات والإرادة لاتخاذ القرار. فكل إصلاح حقيقي يحتاج إلى مسؤول قادر على الحسم، ومستعد لتحمل المسؤولية، ومؤمن بأن المنصب العام أداة للتغيير لا مجرد موقع إداري لإدارة اليوميات. وعندما تتوافر القيادة الفاعلة والصلاحيات الواضحة والمساءلة العادلة، تصبح مواجهة الترهل والبيروقراطية والفساد الإداري أمراً ممكناً. أما حين يسود التردد والخوف من القرار، فإن المؤسسات تتحول تدريجياً إلى أجهزة تنفيذية مثقلة بالروتين، ويصبح الإنجاز أبطأ من طموحات الدولة والمجتمع. ومن هنا تبدأ إحدى أخطر المشكلات التي تواجه أي دولة حديثة، وهي الفساد الإداري والترهل المؤسسي الذي يتسلل إلى مفاصل العمل العام بصمت، لكنه يترك آثاراً عميقة على التنمية والاقتصاد وثقة الناس بالمؤسسات.
الفساد الإداري هو المرض الصامت الذي لا يظهر دائماً في صورة رشوة أو اختلاس، لكنه قد يكون أخطر منهما أثراً. هو الموظف الذي يعطل دون سبب، والمسؤول الذي لا يقرر، والمدير الذي يختبئ خلف اللجان، والمؤسسة التي تستهلك الورق والاجتماعات ولا تنتج نتيجة. هو الترهل حين يصبح ثقافة، والبطء حين يصبح نظاماً، والخوف من المسؤولية حين يصبح قاعدة عمل. وهو أيضاً ذلك الشعور الذي يتسلل إلى المواطن حين يعتقد أن إنجاز أبسط معاملة يحتاج إلى جهد استثنائي، وإلى المستثمر حين يشعر أن الوقت يضيع بين الإجراءات أكثر مما يضيع في تنفيذ المشروع نفسه.ولا شك أن الأردن يمتلك رؤية اقتصادية طموحة وجهوداً كبيرة تُبذل لاستقطاب الاستثمار وتحفيز النمو وخلق فرص العمل، إلا أن نجاح أي رؤية اقتصادية، مهما كانت متقدمة، يبقى مرتبطاً بقدرة الجهاز الإداري على مواكبتها وتحويلها إلى واقع ملموس. فالإدارة العامة هي الجسر الذي تعبر من خلاله الخطط إلى التنفيذ، وهي الأداة التي تمنح السياسات قوتها أو تضعف أثرها. لذلك فإن تطوير الأداء الإداري ومحاربة الترهل وتعزيز ثقافة الإنجاز لا يشكلان مطلباً إدارياً فحسب، بل يمثلان ضرورة وطنية لضمان تحقيق أفضل النتائج من كل جهد اقتصادي وتنموي يُبذل من أجل مستقبل الأردن.المشكلة أن بعض الإدارات تتعامل مع المنصب ككرسي لا كمسؤولية، ومع الصلاحية كوجاهة لا كأمانة، ومع القرار كخطر يجب تجنبه لا كواجب يجب القيام به. وهنا تبدأ الكارثة. لأن الدولة لا تنهض بمن يوقّع فقط، بل بمن يفكر ويقرر ويتحمل ويقود. فالمنصب العام لم يوجد لإدارة اليوميات فقط، بل لخلق الحلول وتجاوز العقبات وتحويل التحديات إلى فرص.الأردن اليوم لا يحتاج إلى مديري ملفات بقدر ما يحتاج إلى صناع قرار. يحتاج إلى قيادات تمتلك الجرأة على المبادرة، والثقة لاتخاذ القرار، والقدرة على تحمل نتائجه. فالدول التي تتقدم ليست تلك التي تكثر فيها المذكرات والتقارير والاجتماعات، بل تلك التي تمتلك قيادات تعرف متى تقرر، وكيف تنفذ، وكيف تحاسب. أما حين يصبح الهدف إدارة الملفات بدلاً من حلها، وإدارة المشكلات بدلاً من إنهائها، فإن الترهل يتحول إلى ثقافة والبيروقراطية إلى عائق دائم أمام الإنجاز.لقد أثبتت التجارب حول العالم أن التنمية لا تصنعها الخطط وحدها، بل تصنعها المؤسسات القادرة على التنفيذ. فكم من استراتيجية ممتازة بقيت حبراً على ورق بسبب ضعف الإدارة، وكم من مشروع واعد تعثر بسبب غياب القرار، وكم من فرصة حقيقية ضاعت لأن أحدهم اختار التأجيل بدلاً من الحسم. وفي المقابل، فإن المؤسسات التي تقاد بعقلية الإنجاز تستطيع أن تحقق نتائج استثنائية حتى في أصعب الظروف.ولا يجوز أن يبقى مفهوم النجاح الإداري محصوراً بعدد الكتب الرسمية أو الاجتماعات أو اللجان. النجاح الحقيقي يقاس بالنتائج، وبسرعة الإنجاز، وبقدرة المؤسسة على حل المشكلات لا إنتاجها. فالمواطن لا يبحث عن تبريرات، بل عن خدمة فعالة. والاقتصاد لا يستفيد من الإجراءات، بل من النتائج التي تخرج من رحم هذه الإجراءات.إن مكافحة الفساد الإداري تبدأ من سؤال بسيط وصادم: من يعطل؟ من لا ينجز؟ من يكرر الفشل؟ من يحمي الترهل؟ ومن يستفيد من بقاء الإجراءات معقدة؟ لا إصلاح حقيقياً دون إجابات واضحة، ولا نهضة اقتصادية دون مساءلة حقيقية، ولا مستقبل لدولة تسمح للبطء أن ينتصر على الكفاءة. فالمجاملة في هذا الملف ليست حكمة، بل تكلفة يدفعها الوطن بأكمله.كما أن الإصلاح الإداري الحقيقي لا يتحقق بمجرد تبديل الأشخاص أو إعادة هيكلة المؤسسات، بل يحتاج إلى ترسيخ ثقافة جديدة تقوم على الثقة بالكفاءات ومنحها الصلاحيات اللازمة للعمل والإنجاز. فالمسؤول الذي يُحاسب على كل قرار ولا يُمنح صلاحية اتخاذه، لن يكون قادراً على المبادرة أو الإبداع. والقيادة التي لا تمتلك مساحة كافية للتحرك ستنشغل بإدارة التفاصيل بدلاً من صناعة النتائج.الأردن يمتلك طاقات بشرية عظيمة وكفاءات مشهوداً لها في الداخل والخارج، لكنه يحتاج إلى تحرير هذه الطاقات من قيود البيروقراطية ومن ثقافة الخوف من القرار. يحتاج إلى ثورة إدارية هادئة تعيد الاعتبار للكفاءة والإنجاز والابتكار. يحتاج إلى بيئة يشعر فيها المجتهد أن جهده مقدّر، وصاحب المبادرة أن فكرته مرحب بها، والمسؤول أن تقييمه مرتبط بما يحققه من نتائج لا بما يمضيه من سنوات في المنصب.الفساد الإداري ليس تفصيلاً صغيراً، بل هو استنزاف يومي لقدرة الدولة على التقدم. وكل دقيقة تضيع بسبب إجراء غير ضروري، وكل قرار يتأخر بلا مبرر، وكل مسؤول يفضل السلامة الشخصية على اتخاذ القرار، تشكل في مجموعها عبئاً ثقيلاً على مسيرة التنمية. ولذلك فإن مواجهة هذا النوع من الفساد لا تقل أهمية عن مواجهة أي شكل آخر من أشكال الفساد.الأردن يستحق إدارة تقود لا إدارة تنتظر، ويستحق قيادات تصنع الفرص لا تبرر ضياعها. ومن يريد أن يخدم الدولة فعليه أن ينجز. أما من يحتمي بالروتين ويهرب من القرار ويحوّل المؤسسة إلى عبء، فهو جزء من المشكلة مهما كان موقعه أو لقبه. فمعركة المستقبل ليست معركة موارد فقط، بل معركة كفاءة وقيادة وإرادة، وهي معركة لا بد أن ننتصر فيها إذا أردنا أن يبقى الأردن نموذجاً للدولة القادرة على التقدم والإنجاز وصناعة الفرص رغم كل التحديات.حدادين يكتب: الأردن يحتاج إلى قادة يصنعون القرار لا إلى مديري ملفات
المحامي الدكتور يزن دخل الله حدادين
حدادين يكتب: الأردن يحتاج إلى قادة يصنعون القرار لا إلى مديري ملفات
مدار الساعة ـ