مونديال 2026 أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

العفيشات يكتب: حوكمة الشركات المساهمة العامة في الأردن.. التحدي بين النص القانوني والتطبيق المؤسسي الفعّال


المحامي محمد سمور العفيشات
مستشار قانوني

العفيشات يكتب: حوكمة الشركات المساهمة العامة في الأردن.. التحدي بين النص القانوني والتطبيق المؤسسي الفعّال

مدار الساعة ـ

لم تعد حوكمة الشركات في الأردن مجرد متطلب تنظيمي أو التزام قانوني يفرضه المشرّع على الشركات المساهمة العامة، بل أصبحت أحد أهم الأدوات التي تساهم في حماية الشركة ومجلس إدارتها وتعزيز ثقة المستثمرين واستقرار السوق المالي، ورغم التطور الملحوظ الذي شهدته البيئة التشريعية والتنظيمية خلال السنوات الماضية، فإن التحدي الحقيقي للحوكمة في الأردن لا يكمن في وجود النصوص القانونية أو التعليمات الناظمة، وإنما في قدرة الشركات على تحويل تلك النصوص إلى ممارسة مؤسسية فعالة تنعكس على جودة القرار وشفافية الإدارة وإدارة المخاطر.

فالواقع العملي يثبت أن العديد من الشركات تمتلك سياسات وإجراءات ولجاناً متخصصة وأنظمة رقابية متقدمة، إلا أن الحوكمة الحقيقية لا تقاس بعدد النماذج أو التقارير أو اللجان، وإنما بمدى تأثيرها الفعلي على آلية اتخاذ القرار داخل مجلس الإدارة وإن قوة مجلس الإدارة لا تقاس فقط بقدرته على اتخاذ القرار، بل بسلامة الأساس الذي بُني عليه ذلك القرار. فالقرار الذي يستند إلى معلومات كافية، ودراسة للمخاطر، ومناقشات موثقة، وإفصاح واضح، يكون أكثر قدرة على تحقيق أهداف الشركة وأقل عرضة للمخاطر القانونية والتنظيمية مستقبلاً.

ومن واقع عملي كمحامٍ ومستشار قانوني، فقد لاحظت خلال السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً في طبيعة المسؤولية الملقاة على عاتق أعضاء مجالس الإدارة. فالسؤال الذي كان يُطرح سابقاً حول مدى صحة القرار من الناحية الشكلية، أصبح يمتد اليوم إلى كيفية اتخاذ القرار والأسس التي استند إليها المجلس عند إصداره، وفي كثير من الحالات لم يعد كافياً أن يثبت عضو مجلس الإدارة أنه صوّت لصالح قرار معين بحسن نية، بل أصبح من المتوقع أن يكون قد اطلع على المعلومات الجوهرية ذات العلاقة، وناقش المخاطر المحتملة، ومارس دوره الرقابي بالقدر الذي ينسجم مع مسؤولياته القانونية والائتمانية.

كما أن التطبيقات القضائية والتشريعية الحديثة تؤكد أن عضوية مجلس إدارة الشركة المساهمة العامة لم تعد تقتصر على المشاركة في رسم السياسات واتخاذ القرارات الاستراتيجية، بل أصبحت ترتبط بدرجة متزايدة من المسؤولية القانونية تجاه الشركة والمساهمين والجهات الرقابية، فخلال السنوات الأخيرة اتجهت التشريعات والجهات الرقابية والمحاكم إلى تعزيز مبدأ المساءلة، بحيث لم يعد عضو مجلس الإدارة بمنأى عن المسؤولية متى ثبت تجاوزه لواجبات العناية أو الإخلال بالتزاماته القانونية أو مشاركته في قرارات ألحقت ضرراً بالشركة أو بالغير، او التقصير في اتخاذ العناية اللازمة ،وقد أظهرت العديد من القضايا التي شهدها الواقع العملي أن بعض المخالفات التي تبدأ بقرارات إدارية أو مالية غير مدروسة قد تتطور في ظروف معينة إلى مسؤوليات مدنية أو جزائية إذا اقترنت بسوء استعمال الصلاحيات أو إساءة الائتمان أو استغلال المركز الوظيفي أو الإضرار المتعمد بمصالح الشركة او التقصير في العناية اللازمة

ومن هنا تبرز أهمية الحوكمة باعتبارها وسيلة وقائية لحماية مجلس الإدارة قبل أن تكون أداة رقابية عليه، إذ إن توثيق المداولات، والإفصاح عن تعارض المصالح، والاعتماد على المعلومات الكافية، والالتزام بالإجراءات المؤسسية السليمة، تشكل جميعها عناصر أساسية في بناء القرار السليم وتقليل المخاطر القانونية التي قد تترتب على أعضاء المجلس مستقبلاً، فالحوكمة الفعالة لا تمنع التعاملات المشروعة، وإنما تضمن إدارتها بشفافية وعدالة وبما يحافظ على مصالح الشركة ويحمي أعضاء المجلس من أي تشكيك أو مساءلة مستقبلية

وفي تقديري، فإن من أهم الخطوات التي أصبحت ضرورية في المرحلة الحالية، تبني مراجعة قانونية وحوكمية دورية لقرارات مجلس الإدارة والسياسات الداخلية للشركة، بحيث يتم تقييم مدى توافقها مع المتطلبات التشريعية والتنظيمية وأفضل الممارسات المؤسسية ، ورغم أن العديد من الشركات المساهمة العامة تمتلك أنظمة رقابة مالية متقدمة وإدارات تدقيق داخلي فاعلة، إلا أن المراجعة الدورية للمخاطر القانونية والحوكمية ما تزال أقل حضوراً مما ينبغي في كثير من الشركات، فإن وجود تقرير دوري للمخاطر القانونية والحوكمية يرفع إلى مجلس الإدارة لم يعد رفاهية إدارية، بل أصبح أداة وقائية تساعد المجلس على اكتشاف مواطن الخطر قبل تحولها إلى نزاعات أو مسؤوليات قانونية أو تنظيمية. كما يعزز قدرة المجلس على اتخاذ قرارات أكثر استنارة، ويشكل أحد التطبيقات العملية المتقدمة لمفهوم الحوكمة الحديثة، ومن المؤشرات المهمة على نضج الحوكمة داخل الشركات أن لا يكون محضر اجتماع مجلس الإدارة مجرد سجل للقرارات الصادرة، بل وثيقة تعكس أن المجلس ناقش واستفسر ووازن بين البدائل واطلع على البيانات اللازمة قبل اتخاذ القرار. فالتوثيق الجيد لا يحمي الشركة فحسب، بل يشكل كذلك أحد أهم وسائل حماية أعضاء المجلس عند تقييم سلامة القرارات مستقبلاً.

وفي نهاية المطاف، فإن نجاح الحوكمة لا يقاس بعدد السياسات المعتمدة أو اللجان المشكلة، وإنما بمدى قدرتها على حماية الشركة وتعزيز استدامتها وتمكين مجلس الإدارة من ممارسة دوره بكفاءة ومسؤولية. وعندما تتحول الحوكمة من مجرد امتثال للنصوص إلى ثقافة مؤسسية راسخة، فإنها تصبح أحد أهم عوامل نجاح الشركات المساهمة العامة وتعزيز قدرتها على النمو والاستمرار في بيئة أعمال تتسم بتزايد التحديات والمسؤوليات.

مدار الساعة ـ