مدار الساعة - كتب: حسن جابر -تنظّم السفارات عادة احتفالاتها الوطنية بصورة دورية، وغالبًا ما تتشابه هذه المناسبات في شكلها العام؛ كلمات رسمية، ومصافحات وصور تذكارية، ولقاءات عابرة قد تنتهي بانتهاء الأمسية. لذلك، ربما لم أكن أتوقع من حفل الاستقبال الذي نظمته السفارة الأردنية في متحف التاريخ الطبيعي في لندن، مساء أمس، بمناسبة عيد الاستقلال الثمانين، أكثر من مناسبة بروتوكولية كغيرها من احتفالات السفارات. غير أن ما جرى في تلك الأمسية بدا أعمق من ذلك، ويستحق قراءة تتجاوز حدود المجاملات.
يتشكل معنى الحدث من اختيار موقع الحفل؛ إذ إن احتفال الأردن باستقلاله في متحف التاريخ الطبيعي، بما يحمله المتحف من قيمة رمزية ترتبط بالزمن والتاريخ الممتد، وتحولات الأرض والكائنات والحضارات، يضع المناسبة في سياق أوسع من السياسة اليومية. لم يكن المكان مجرد قاعة فخمة لاستقبال الضيوف، وإنما إطارًا رمزيًا لحضور بلد محدود وفق مقاييس القوة التقليدية، لكنه عميق التاريخ والإرث والدور، ويقدم نفسه في عاصمة كبرى من خلال رصيد حضاري وسياسي يقوم على الاستمرارية والاتزان.ولا تقل دلالة الحضور أهمية عن دلالة المكان؛ إذ تحدث في الحفل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط هاميش فالكونر، وهو وزير في حكومة حزب العمال، وتحدثت بعده رئيسة الوزراء البريطانية السابقة تيريزا ماي، وهي إحدى أبرز الشخصيات المحافظة في السياسة البريطانية الحديثة. وحضر إلى جانبهما سفراء وقناصل وملاحق عسكرية وشخصيات دبلوماسية من عواصم مختلفة، إضافة إلى أبناء الجالية الأردنية والطلبة المقيمين في بريطانيا. هذا التنوع في الحضور لا يُختزل في صفات المدعوين الرسمية، بل يُقرأ كمؤشر على مكانة الأردن وتعدد مستويات حضوره.ففي عاصمة مثل لندن، لا تُقاس أهمية الحضور بعدد المدعوين فحسب، وإنما بنوعية من يحضرون، وبما يعنيه حضورهم في مناسبة وطنية. فعادة ما تفرض الدول الكبرى حضورها من خلال فائض القوة والاقتصاد والنفوذ، أما الأردن فيبني حضوره عبر الثقة والاحترام، والقدرة على البقاء شريكًا مقبولًا لدى أطراف متباينة. لذلك كان اجتماع وزير عمّالي ورئيسة وزراء محافظة حول خطاب إيجابي واحد تجاه الأردن دلالة سياسية مهمة؛ فالعلاقة مع عمَّان لا تبدو في لندن تفصيلًا تابعًا لتغير الحكومات، وإنما ركيزة مستمرة في تصور بريطانيا لاستقرار الشرق الأوسط.تتضح هذه المسألة بصورة أكبر عند النظر إلى الملفات الإقليمية الحساسة، وفي مقدمتها الموقف من إيران. فحين تحدث فالكونر عن عمق الروابط السياسية والثقافية والأمنية والعسكرية بين بريطانيا والأردن، تجاوز خطابه اللغة البروتوكولية المجردة إلى الوصف الدقيق لعلاقة تتحرك على عدة مستويات، وتكتسب أهمية مضاعفة في لحظات الاضطراب، خاصة حين تضع الجغرافيا الأردن في قلب حسابات الأمن الإقليمي، وتصبح الشراكات الدفاعية والسياسية جزءًا من قدرة الدولة على إدارة موقعها.في هذا السياق، يبدو الموقف البريطاني من إيران واضحًا في بنيته العامة؛ إذ تتحرك لندن، ضمن الترويكا الأوروبية، في اتجاه الضغط على البرنامج النووي الإيراني، وتربط هذا الضغط بمنع الانتشار النووي وحماية الأمن الإقليمي، مع التأكيد في الوقت نفسه على تجنب الحرب كخيار مطروح، وهو اتجاه عبرت عنه حكومة كير ستارمر الحالية في مقاربتها للملف الإيراني.أما الأردن فيتعامل مع الملف من زاوية أكثر تعقيدًا، لأن الجغرافيا لا تمنحه ترف المسافة. فالأردن يقع على تماس مباشر مع مسارات التصعيد بين إيران وإسرائيل، ويتأثر بأمن الحدود المجاورة، وبتهريب السلاح والمخدرات، وبنشاط الفصائل المرتبطة بطهران في الإقليم، وبحساسية التوازنات والاصطفافات الإقليمية.لذلك تبدو السياسة الأردنية في هذا الملف قائمة على معادلة ترتكز على الدفاع عن السيادة والسماء والحدود، مع رفض التحول إلى ساحة لحسابات الآخرين أو منصة لأي عمل عسكري ضد إيران. وهنا يلتقي المنطق الأردني بنظيره البريطاني في رفض التصعيد، انطلاقًا من إدراك مشترك لتعقيدات المشهد الإيراني، وللدروس المستفادة من التدخلات السابقة في الشرق الأوسط وتداعياتها الممتدة.من هنا يمكن فهم نظرة بريطانيا إلى الأردن بوصفه شريكًا أمنيًا وسياسيًا استراتيجيًا، كما يمكن فهم حرص الأردن على هذا النوع من الشراكات كي يحافظ على قدرته على إدارة الملفات المعقدة دون الانزلاق إلى محاور مغلقة. لذلك كان استحضار تيريزا ماي، في كلمتها في الحفل، لزيارتيها إلى الأردن عام 2017، استعادةً لسياق أوسع ارتبط بدعم التعاون الأمني والدفاعي مع الأردن في مرحلة كانت فيها مواجهة تنظيم داعش في صلب حسابات الأمن الإقليمي.غير أن أهمية الأمسية لم تكن محصورة في بعدها الرسمي فحسب، إذ كان فيها وجه آخر للسفارة وهو مرتبط بالجالية الأردنية والطلاب في الجامعات البريطانية. فالسفارة ليست واجهة الدولة أمام الدول فقط، بل هي أيضًا بيت رمزي لمن يعيشون بعيدًا عن البلد الأم. وأن يجتمع الوزراء والسفراء والملاحق العسكرية في مناسبة واحدة، وأن يكون الطلبة والمغتربون الأردنيون جزءًا من المشهد نفسه، يعني أن البعثة تدرك ثنائية دورها؛ تمثيل الدولة في الخارج، ورعاية الروابط مع مواطنيها في المغترب.أما خلف هذا المشهد، فيقف السفير منار الدباس وفريق السفارة، فما ظهر في الحفل كان لحظة مرئية، هي بلا شك خلاصة لعمل طويل لا يظهر عادة للعامة؛ إذ بدا مزيجًا تراكميًا من بناء العلاقات وتطويرها، ومتابعة الملفات المتصلة بأجندة السياسة الخارجية الأردنية، والتواصل المستمر مع المؤسسات البريطانية، وفتح قنوات اتصال مع أبناء الجالية، وترتيب صورة الدولة في الخارج بدقة محسوبة. أسلوب الدباس، كما جسده الحفل، يقوم على الهدوء أكثر من الاستعراض، وعلى بناء الحضور دون ضجيج. وهذا تحديدًا ما تحتاجه الدبلوماسية الأردنية في عاصمة مثل لندن؛ حضور واثق ومنظم ومنفتح على مستويات متعددة للتأثير.ومن يستخف بالتنظيم يخطئ في فهم روح السياسة، إذ إن إخراج أمسية بهذا التنوع والثقل والانضباط ليس مجرد مسألة بروتوكولية بسيطة، بل عمل مؤسسي تقف خلفه قراءة صائبة للمكان والحضور والرسائل والتوقيت. ولذلك يمكن النظر إلى ما قدمته السفارة الأردنية في لندن كنموذج للدبلوماسية المثابرة والهادئة؛ دبلوماسية لا تختزل الدولة في خطاب احتفالي عابر، ولا تُحدث جلبة كي تثبت حضورها.ختامًا، وجدت أن الحفل قد تجاوز في فحواه رمزية الاحتفال بعيد الاستقلال، على مركزيتها، ليجسد تقديم الأردن كما يريد أن يكون: دولة تعرف حدود قوتها، وتدرك قيمة موقعها، وتبني احترامها من خلال الاتزان والجدية. وفي زمن تتغير فيه الخرائط بتسارع، يصبح هذا النوع من الدبلوماسية ضرورة لا ترفًا.الأردن في لندن… دبلوماسية بلا ضجيج
مدار الساعة ـ















