مدار الساعة - أثار البيان الصادر عن جمعية السلم المجتمعي نقاشًا وطنيًا مهمًا حول بعض الجرائم وأحداث العنف التي شهدها المجتمع الأردني خلال الفترة الأخيرة. وتميز البيان بأنه لم يكتفِ بإدانة هذه الجرائم أو التعبير عن القلق تجاهها، بل دعا إلى وقفة وطنية مسؤولة تتجاوز حدود الاستنكار وردود الفعل الآنية نحو البحث الجاد في الأسباب الحقيقية الكامنة وراء هذه الظواهر، من خلال حوار وطني تشارك فيه مؤسسات المجتمع المدني والجامعات والخبراء والمؤسسات الحكومية ومختلف الجهات المعنية بالشأن الاجتماعي.
وتكتسب هذه الدعوة أهميتها من كونها تنطلق من فهم علمي للجريمة باعتبارها ظاهرة اجتماعية لا يمكن تفسيرها من خلال الحادثة ذاتها، وإنما من خلال الظروف والعوامل التي تسبقها وتسهم في إنتاجها. فالجريمة ليست حدثًا معزولًا عن محيطه الاجتماعي، بل هي في كثير من الأحيان انعكاس لتحولات وضغوط وتحديات يعيشها المجتمع.ومن المهم هنا التمييز بين ارتفاع معدلات الجريمة وبين تغير طبيعة الجريمة. فبحسب التقرير الإحصائي الجنائي الصادر عن إدارة المعلومات الجنائية في مديرية الأمن العام لعام 2025، انخفض إجمالي الجرائم المسجلة بنسبة تقارب 4% مقارنة بعام 2024، كما انخفضت جرائم القتل العمد والشروع بالقتل وعدد من الجرائم الواقعة على الإنسان. وهذه المؤشرات تؤكد أن المجتمع الأردني لا يشهد بالضرورة ارتفاعًا عامًا في معدلات الجريمة.إلا أن ما يثير القلق المجتمعي اليوم هو طبيعة بعض الجرائم التي أصبحت أكثر حدة أو أكثر صدمة للرأي العام، سواء بسبب درجة العنف التي تنطوي عليها أو بسبب وقوعها داخل الأسرة أو بين أشخاص تربطهم علاقات اجتماعية وثيقة. فالمجتمع الأردني اعتاد تاريخيًا على منظومة قيمية تقوم على التماسك الأسري والتكافل الاجتماعي واحترام الأعراف، ولذلك تبدو بعض الجرائم المعاصرة غريبة عن الصورة الذهنية التي يحملها الأردنيون عن مجتمعهم.كما لا يمكن تجاهل تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل هذا الانطباع. ففي الماضي كانت كثير من الجرائم تبقى ضمن نطاقها المحلي، أما اليوم فإن أي حادثة تنتشر خلال دقائق وتتحول إلى قضية رأي عام يتابعها مئات الآلاف من المواطنين. ولذلك أصبح الناس أكثر معرفة بما يحدث حولهم وأكثر تفاعلًا معه، الأمر الذي يعزز الإحساس بانتشار الجريمة حتى عندما لا تؤكد الأرقام الرسمية وجود زيادة كبيرة في معدلاتها.ومن منظور سوسيولوجي، فإن ظهور بعض الجرائم العنيفة أو غير المألوفة قد يرتبط بجملة من العوامل المتداخلة، من أبرزها الضغوط الاقتصادية المتزايدة، والتحديات المرتبطة بالبطالة والظروف المعيشية، وتراجع قدرة بعض الأفراد على التعامل مع الضغوط النفسية، إضافة إلى التحولات التي طرأت على العلاقات الأسرية والاجتماعية، وتراجع تأثير بعض آليات الضبط الاجتماعي التقليدية التي كانت تمارسها الأسرة الممتدة والمجتمع المحلي.كما أن التغيرات الثقافية المتسارعة، والانفتاح الواسع على المحتوى الرقمي، وتنامي النزعة الفردية لدى بعض الفئات، كلها عوامل تستدعي الدراسة والبحث لفهم أثرها في منظومة القيم والسلوك الاجتماعي. وهذا لا يعني أن هذه العوامل تؤدي بالضرورة إلى الجريمة، لكنها قد تشكل بيئة ضاغطة تسهم في زيادة احتمالية ظهور بعض السلوكيات العنيفة لدى فئات محددة.ومن هنا تبرز أهمية ما دعت إليه جمعية السلم المجتمعي من ضرورة فتح حوار وطني جاد حول هذه الظواهر، وعدم الاكتفاء بردود الفعل المؤقتة التي تنتهي بانتهاء الحدث. فحماية السلم المجتمعي مسؤولية مشتركة تتطلب تعاون الأسرة والمؤسسات التربوية والإعلامية والدينية والأمنية ومؤسسات المجتمع المدني من أجل فهم التحولات الاجتماعية ومعالجة أسبابها قبل أن تتحول إلى مشكلات أكثر تعقيدًا.إن الرسالة الأساسية التي يحملها البيان هي أن الحفاظ على السلم المجتمعي لا يتحقق فقط بملاحقة الجريمة بعد وقوعها، بل بفهم الظروف التي تنتجها والعمل على معالجتها. فالمجتمعات القوية ليست تلك التي تخلو من المشكلات، بل تلك التي تمتلك القدرة على قراءة مؤشراتها الاجتماعية بوعي، ومواجهة تحدياتها بالحوار والعلم والعمل المشترك.الرواشدة تكتب: من الاستنكار إلى الفهم: جمعية السلم المجتمعي تدعو إلى قراءة الجريمة في سياقها الاجتماعي
د. ميساء الرواشدة
الرواشدة تكتب: من الاستنكار إلى الفهم: جمعية السلم المجتمعي تدعو إلى قراءة الجريمة في سياقها الاجتماعي
مدار الساعة ـ