أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات مغاربيات دين بنوك وشركات خليجيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الحسبان يكتب: سمو ولي العهد والشباب الأردني


فهد الحسبان

الحسبان يكتب: سمو ولي العهد والشباب الأردني

مدار الساعة ـ

أرى أن المدخل الأكثر عمقاً للحديث عن أثر سمو ولي العهد في مسيرة الشباب الأردني لا يبدأ من تعداد المبادرات والبرامج، بل من محاولة فهم التحول الذي حدث في نظرة الدولة إلى الجيل الجديد خلال السنوات الأخيرة.

ففي كثير من الدول، يُنظر إلى الشباب باعتبارهم قضية اجتماعية أو فئة عمرية تحتاج إلى الرعاية والاهتمام. أما في الأردن، فقد برز خلال السنوات الماضية اتجاه مختلف يقوم على التعامل مع الشباب بوصفهم أحد أهم عناصر القوة الوطنية ومورداً استراتيجياً لمستقبل الدولة. وهنا يمكن قراءة الدور الذي لعبه سمو ولي العهد في إعادة صياغة هذه العلاقة.

ما يميز تجربة سموه أنها لم تُبنَ على الخطابات الكبيرة بقدر ما قامت على الاحتكاك المباشر بالناس والاستماع إلى تفاصيل الحياة اليومية للشباب في المدن والقرى والبوادي والمخيمات. فقد بدا واضحاً أن هناك إدراكاً بأن التحدي الحقيقي الذي يواجه الجيل الجديد لا يتمثل فقط في البطالة أو محدودية الفرص، بل في شعور جزء من الشباب بأن المسافة بينهم وبين مؤسسات الدولة أصبحت أكبر مما ينبغي.

من هنا جاءت محاولة بناء جسور جديدة بين الشباب والدولة، ليس من خلال الوعود، بل من خلال خلق مساحات يشعر فيها الشباب بأن أصواتهم مسموعة وأن أفكارهم قادرة على التحول إلى مشاريع وفرص وتجارب حقيقية. وهذا ربما يمثل أحد أهم التحولات التي شهدها العمل الشبابي في الأردن خلال العقد الأخير.

لقد ساهم سمو ولي العهد في ترسيخ ثقافة مختلفة تقوم على أن الانتماء لا يُقاس بالشعارات فقط، بل بالمبادرة والعمل والإنتاج وتحمل المسؤولية. فالوطن بالنسبة للأجيال الجديدة لم يعد مجرد مفهوم عاطفي، بل أصبح مرتبطاً بقدرة الفرد على الإسهام في تطوير مجتمعه وتحسين واقعه والمشاركة في صناعة مستقبله.

كما أن حضور سموه المتكرر في البيئات الشبابية المختلفة أرسل رسالة مهمة مفادها أن الدولة لا تبحث عن جيل متلقٍ للقرارات، وإنما عن جيل قادر على التفكير والنقاش والاقتراح والمشاركة. وهذا أمر بالغ الأهمية في مرحلة تشهد تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية متسارعة، وتحتاج إلى طاقات شابة قادرة على التكيف والابتكار وصناعة الحلول.

ولعل ما يستحق التوقف عنده أيضاً هو أن اهتمام سمو ولي العهد بالشباب لم يكن محصوراً في جانب واحد من حياتهم، بل امتد إلى مجالات متعددة؛ من التعليم والتدريب وريادة الأعمال إلى التكنولوجيا والعمل التطوعي والثقافة والرياضة والمشاركة العامة. وكأن الفكرة الأساسية كانت تقوم على بناء شخصية متكاملة، لا مجرد إعداد موظف يبحث عن فرصة عمل.

في الوقت الذي تواجه فيه أجيال الشباب حول العالم حالة متزايدة من القلق تجاه المستقبل، حاول سموه تقديم نموذج مختلف يقوم على تحويل التحديات إلى فرص، وتحويل الطاقات المعطلة إلى مشاريع إنتاجية، وتحويل الإحباط إلى دافع للعمل والإنجاز. وربما لهذا السبب حظيت الكثير من المبادرات الشبابية باهتمام واسع، لأنها لم تتعامل مع الشباب كأرقام في الإحصاءات، بل كأفراد يمتلكون طموحات وقدرات تستحق الاستثمار.

ولا يمكن قراءة هذا المسار بمعزل عن الفعل التراكمي الذي تقوده الأسرة الهاشمية مع الشباب الأردني عبر عقود. فالعلاقة بين الهاشميين والشباب لم تكن علاقة ظرفية أو مرتبطة بمرحلة سياسية محددة، بل هي امتداد لرؤية تاريخية ترى في الإنسان الأردني، وخاصة الشباب، محور الاستقرار والتحديث في الدولة. من بناء المؤسسات التعليمية والعسكرية والمدنية، إلى دعم مبكر لفكرة المشاركة والانخراط في الشأن العام، تشكلت طبقات متتالية من الاهتمام الهاشمي بالشباب، وصولاً إلى المرحلة الحالية التي بات فيها هذا الاهتمام أكثر تركيزاً على التمكين المباشر وصناعة الفرص وبناء القدرات. وفي هذا السياق يأتي دور سمو ولي العهد كامتداد طبيعي لهذا النهج، لكنه أيضاً تطوير له في أدواته ومساحاته وطرق الوصول إلى الجيل الجديد.

إن الأثر الحقيقي لأي مشروع لا يُقاس بما يحققه في لحظته، وإنما بما يتركه من تغيير في الثقافة العامة. ومن هذه الزاوية يمكن القول إن الأثر الأبرز لسمو ولي العهد يكمن في المساهمة بإعادة الاعتبار لفكرة الشباب نفسها داخل الدولة الأردنية. فبعد سنوات كان يُنظر فيها إلى الشباب باعتبارهم مرحلة انتظار لما هو قادم، أصبحوا يُنظر إليهم بصورة متزايدة باعتبارهم شركاء في الحاضر وجزءاً من عملية البناء الوطني الجارية اليوم.

وربما يكون هذا هو الإنجاز الأهم؛ أن يشعر شاب في أقصى الشمال أو الجنوب، وفي المدينة أو القرية، أن الطريق إلى المشاركة والتأثير لم يعد مغلقاً، وأن مستقبله لا يتحدد فقط بما ورثه من ظروف، بل بما يمتلكه من إرادة ومعرفة وقدرة على المبادرة. فالأوطان لا تتقدم فقط بما تملكه من موارد، بل بما تمنحه لأجيالها من ثقة، وما تستثمره فيهم من فرص، وما تفتحه أمامهم من آفاق. وفي هذا السياق تحديداً يمكن فهم الأثر الذي تركه سمو ولي العهد في مسيرة الشباب الأردني خلال السنوات الماضية.

مدار الساعة ـ