في زمنٍ أصبحت فيه الشاشات نافذةً مفتوحة على العالم، لم يعد الطفل ينتظر الحكاية من جدته، ولا القصة من كتابه المدرسي، بل بات يتلقى رسائله الأولى من برامج وأفلام ومنصات تتدفق أمامه بلا توقف. وبينما تبدو هذه الوسائل أدوات للترفيه والتعلم، فإنها تحمل في طياتها قدرة هائلة على تشكيل الوعي وصناعة المفاهيم، لتصبح شريكًا خفيًا في تربية الأجيال وبناء شخصياتهم.
في كل عصر كانت هناك أدوات تصنع وعي الأجيال، لكن عصرنا منح هذه المهمة للشاشات. فبينما يظن كثيرون أن الطفل يجلس أمام برنامج ترفيهي عابر، تكون هناك أفكار وصور ورسائل تتسلل إلى عقله بهدوء، لتشارك الأسرة والمدرسة في رسم ملامح شخصيته. وهنا لا تكمن الخطورة في ما يراه الطفل فقط، بل في ما يعتاد عليه ويقبله بوصفه أمرًا طبيعيًا مع مرور الوقت.ومن هنا تبرز مسؤولية الأسرة في متابعة ما يشاهده الأبناء، فليس كل ما يُعرض تحت عنوان "برنامج أطفال" مناسبًا للطفولة أو منسجمًا مع القيم التربوية والأخلاقية التي يسعى المجتمع إلى ترسيخها. فالعناوين قد تبدو بريئة، لكن المضامين تحمل أحيانًا رسائل أبعد مما يتوقعه المشاهد.وفي هذا السياق، أشارت الإعلامية تغريد قرقودة إلى أنها تابعت أحد برامج الأطفال الذي تناول فكرة زواج طفل من طفلة، متضمنًا ألفاظًا وسلوكيات لا تتناسب مع الفئة العمرية المستهدفة. وهو ما يفتح بابًا واسعًا للتساؤل حول طبيعة المحتوى الموجه للأطفال ومدى توافقه مع حاجاتهم النفسية والتربوية، وحول الدور الحقيقي الذي يجب أن تؤديه الجهات المنتجة في احترام خصوصية هذه المرحلة العمرية الحساسة.فالطفل لا يمتلك بعد أدوات النقد والتمييز التي يمتلكها الكبار، بل يستقبل ما يراه بوصفه حقيقة أو نموذجًا يُحتذى. لذلك فإن المشهد العابر قد يتحول إلى فكرة راسخة، والكلمة العابرة قد تصبح جزءًا من قاموسه اليومي، دون أن يدرك أحد حجم الأثر الذي تركته في داخله. فالطفولة ليست صفحة بيضاء فحسب، بل هي المرحلة التي تتشكل فيها الأسئلة الأولى عن الحياة والناس والقيم، وكل ما يمر أمام الطفل يترك أثرًا، صغيرًا كان أم كبيرًا.كما أن الطفولة ليست مرحلة لتلقين المفاهيم المعقدة أو تشويه الفطرة السليمة، بل هي مساحة لبناء الخيال والإبداع والقيم الإنسانية النبيلة. وعندما يتم تقديم موضوعات أو ألفاظ تفوق مستوى إدراك الطفل أو تتعارض مع براءته، فإننا نضعه أمام أسئلة لم يحن وقتها بعد، ونحمّله أعباء فكرية ونفسية لا تناسب عمره.وتكمن الخطورة الحقيقية في أن بعض هذه الرسائل تمر بهدوء ودون إثارة الانتباه، فتتسلل إلى العقل الصغير كما يتسلل الماء بين الشقوق. فالتأثير العميق لا يحدث دائمًا عبر الصدمة، بل قد يحدث عبر التكرار والاعتياد حتى تصبح الأفكار الغريبة مألوفة، والسلوكيات غير المقبولة أمرًا عاديًا في نظر الطفل. ومن الناحية الفلسفية، فإن الإنسان يصبح في كثير من الأحيان ابنًا لما اعتاد رؤيته أكثر مما هو ابنًا لما سمعه من نصائح، فالتكرار يصنع الألفة، والألفة قد تصنع القناعة.إن الفلسفة التربوية السليمة لا تقوم على المنع المطلق ولا على الإهمال المطلق، بل على الحضور الواعي والمرافقة الحكيمة. فالأب والأم ليسا مجرد مراقبين لما يشاهده الأبناء، بل موجهان يفسران ويصححان ويزرعان المعنى الصحيح لكل ما يمر أمام أعين أطفالهم. كما أن الأسرة مطالبة اليوم بأن تكون حاضرة في حياة أبنائها الرقمية كما هي حاضرة في حياتهم الواقعية، لأن الحوار الواعي يصنع طفلًا قادرًا على الفهم والتمييز واتخاذ الموقف الصحيح عندما يكبر.ومن الفوائد التربوية المهمة أن يحرص الأهل على توجيه أبنائهم نحو القراءة والأنشطة الثقافية والرياضية والإبداعية، فهذه البدائل لا تملأ أوقات الفراغ فحسب، بل تبني شخصية متوازنة وعقلًا ناقدًا. فالطفل الذي يُغذّى بالمعرفة والفكر والخيال يصبح أكثر قدرة على مقاومة الرسائل المشوشة، وأكثر وعيًا في التعامل مع ما يراه ويسمعه.لقد أصبحت الشاشات اليوم معلمًا إضافيًا داخل كل بيت، لكنها معلم لا يعرف أبناءنا ولا قيمنا ولا أحلامنا. ولهذا لا يجوز أن نترك له مهمة التربية منفردًا، لأن بناء الإنسان مسؤولية لا يمكن تفويضها إلى برنامج أو منصة أو خوارزمية.وفي النهاية، تبقى الطفولة أثمن من أن تُترك رهينة محتوى عابر أو رسالة غير محسوبة. فالأمم العظيمة لا تبدأ من القصور ولا من الأبراج الشاهقة، بل تبدأ من عقل طفلٍ يحلم، وقلب طفلٍ يثق، وروح طفلٍ تنمو في بيئة تحمي براءتها. وما نزرعه اليوم في عقول الصغار سيعود إلينا غدًا على هيئة جيلٍ كامل؛ فإما أن يكون جيلًا يحمل نور الوعي والقيم، وإما أن يكون ضحية لما أهملنا مراقبته حين ظننا أن الأمر مجرد برنامج للأطفال. لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضرًا في أذهاننا ليس: ماذا يشاهد أطفالنا؟ بل: ماذا نصنع في عقولهم ونحن نسمح لتلك الشاشات بأن تشاركنا مهمة صناعة المستقبل؟قرقودة تكتب: حين تتسلل الشاشات إلى براءة الطفولة.. من يراقب ما يُزرع في العقول؟
مدار الساعة ـ