أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات مغاربيات دين بنوك وشركات خليجيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

مساعدة يكتب: التعديلُ الوزاري… وخيبةُ المستوزرين


جهاد المساعدة

مساعدة يكتب: التعديلُ الوزاري… وخيبةُ المستوزرين

مدار الساعة ـ

في هذا البلد، يكفي أن يقتربَ الحديثُ عن تعديلٍ وزاري، حتى تتحوّلَ المقاهي إلى غرفِ تحليلٍ سياسي، والهواتفُ إلى مصادرَ خاصة، وصفحاتُ التواصلِ إلى نشراتِ أخبارٍ عاجلة، لا ينقصُها إلا شعارُ التلفزيون الرسمي.

وفجأةً، يخرجُ علينا المستوزرون.

أولئك الذين ينتظرونَ اتصالًا من الدوار الرابع كما ينتظرُ الغريقُ خشبةَ نجاة.

يجلسُ أحدُهم طوالَ الليلِ يوزّعُ أسماءَ الداخلينَ والخارجين، ويتحدّثُ بثقةِ العارفِ بأسرارِ الدولة، بينما هو بالكادِ يعرفُ كيفَ يُديرُ خلافًا داخلَ مجموعةِ واتساب عائلية.

كلُّ واحدٍ منهم يملكُ معلومةً مؤكدة، وتسريبًا خاصًا، وقراءةً لا يملكها غيره.

ثم يصدرُ القرار، فتتساقطُ توقّعاتُهم كما تتساقطُ أوراقُ الشجرِ في الخريف.

ما أثبتَهُ دولةُ الرئيسِ جعفر حسان منذُ التشكيلِ الأول، ثم في التعديلِ اللاحق، أنَّهُ لا يُديرُ المشهدَ بعقليةِ الاستعراض، بل بعقليةِ الدولة.

الرجلُ يعملُ بهدوء، ويحافظُ على سريةِ القرار، ويتعاملُ مع المسؤوليةِ بوصفِها عبئًا وطنيًا، لا مناسبةً للظهور الإعلامي.

ولهذا بدا كثيرٌ من هواةِ التكهّنات بعدَ التعديلِ الأول كالعرافينَ الذين أضاعوا خرائطَ النجوم.

والأهمُّ من ذلك، أنَّ الرئيسَ لم يتردّدْ في مراجعةِ بعضِ الأسماءِ التي جاءتْ عبرَ ترشيحاتٍ حزبيةٍ لم تُبنَ على الكفاءةِ بقدرِ ما بُنيتْ على اعتباراتٍ أخرى، بعدما تبيّنَ أنَّ الخطابةَ شيء، وإدارةَ المؤسساتِ شيءٌ آخر، فأخرجهم في التعديلِ الأول بعدَ أن منحهم فرصة.

بعضُهم لم يكنْ قادرًا على قولِ جملتينِ مترابطتينِ دونَ ارتباك، وكأنَّ الحروفَ تتعثّرُ في فمه.

وبعضُهم أعادَ الوزارةَ التي استلمَها سنواتٍ إلى الخلف، حتى شعرَ العاملونَ أنَّ الملفاتِ داخلَ المؤسسةِ تمشي على عكّازٍ مكسور.

ومع ذلك، ما زال المستوزرون يخرجونَ للحديثِ عن الإصلاحِ والإنقاذ، وكأنَّ الخللَ كانَ دائمًا في الدولة، لا في محدوديةِ تجربتِهم.

لكنَّ الحكايةَ لا تتعلّقُ فقط بطموحاتٍ لم تتحقّق.

فهناكَ وزراءٌ في حكومةِ جعفر حسان رفضوا الخضوعَ لضغوطِ شخصياتٍ اعتادتْ التعاملَ مع الدولةِ باعتبارِها مساحةً للمصالحِ الخاصة، أو بوابةً للواسطةِ والنفوذ.

أغلقوا أبوابًا كانت تُفتحُ بالهاتف، ورفضوا تمريرَ ما لا يجوزُ تمريرُه، وفتحوا ملفاتٍ ظلّتْ لسنواتٍ مؤجّلةً خوفًا من الاقترابِ منها.

وهنا بدأَ الصدام.

المتضرّرونَ لم يناقشوا ما كُشفَ من اختلالات، ولم يردّوا على الوقائع، بل اتجهوا مباشرةً إلى شيطنةِ بعضِ الوزراء.

صارَ من يُعيدُ الانضباطَ الإداريَّ متَّهَمًا بالتسلّط، ومن يقتربُ من ملفاتٍ حساسةٍ صاحبَ أجندة.

هكذا تُدارُ بعضُ المعاركِ عندنا:

لا يُزعجُهم الخطأُ بقدرِ ما يُزعجُهم كشفُه.

حتى الشبابُ لم يسلموا من عدوى الاستوزار.

فعندما ضمّتْ لجنةٌ عليا عنصرًا شبابيًا، خرجَ بعضُهم غاضبًا، وكأنَّ الوطنَ سقطَ لأنَّ أحدًا غيره جلسَ على الطاولة.

بعضُ الأصواتِ أرادتْ تمثيلَ ثلاثةِ ملايينِ شابٍّ وشابةٍ دفعةً واحدةً في لجنة.

ونقولُ لهم بهدوء:

لا مانعَ أبدًا… فقط ابحثوا أولًا عن قاعةٍ تتّسعُ لهذا الاجتماع، وعن وقتٍ يسمحُ للجميعِ بالكلام.

يا سادة…

الدولةُ ليستْ منشورًا غاضبًا يُكتبُ بعدَ منتصفِ الليل، ولا بطولةً موسميةً على مواقعِ التواصل، ولا مساحةً لتصفيةِ الإحباطاتِ الشخصية.

الدولةُ مسؤوليةٌ ثقيلة، وقراراتٌ معقّدة، وملفاتٌ متراكمة، وحكومةُ جعفر حسان ورثتْ تركةً صعبةً وملفاتٍ كبيرةً مؤجّلة.

ومع ذلك، اختارَ الرجلُ أن يعملَ بصمت، وأن يُديرَ فريقَهُ وفقَ معيارِ الأداء والإنجاز والقربِ من الميدان.

لذلك، اتركوا الحكومةَ تعمل، ثم حاسبوها على النتائج.

أما أولئك الذين يتعاملونَ مع كلِّ تعديلٍ وزاريٍّ كأنَّهُ يانصيبٌ خسروا فيه الجائزة، فعليهم أن يُدركوا حقيقةً بسيطة:

ليسَ كلُّ من حلمَ بالوزارةِ صارَ أهلًا لها،

وليسَ كلُّ من رفعَ صوتَهُ امتلكَ مشروعًا وطنيًا.

وفي النهاية، سيبقى بعضُهم واقفًا على رصيفِ التعديل، يحملُ حقيبةً وهمية،

وينتظرُ هاتفًا… لن يرنّ.

مدار الساعة ـ