أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جاهات واعراس جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

التل يكتب: من نكبة 1948 إلى نكبة أوسلو: الأردن في مرمى التصفية بعد سبعين عاماً


د. مصطفى التل

التل يكتب: من نكبة 1948 إلى نكبة أوسلو: الأردن في مرمى التصفية بعد سبعين عاماً

مدار الساعة ـ

منذ سبعين عاماً والنكبة الأولى لم تغلق أبوابها بعد، فلسطينيو 1948 هُجروا إلى الضفة والقدس والأردن, ومع مشروع إلغاء أوسلو وخرائط "إسرائيل الكبرى"، يلوح في الأفق خطر نكبة جديدة تطال الضفة والقدس، وهذه المرة قد يكون الأردن هو الوجهة القسرية والمستهدف المباشر، فهل يتكرر السيناريو بعد سبعة عقود، وهل تعلّم العرب من دروس الماضي؟!

عندما أعلن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش أن إلغاء اتفاقات أوسلو يشكّل أحد أهداف المرحلة المقبلة، لم يُضف بنداً طارئاً إلى خطاب اليمين الإسرائيلي، بل منح عنواناً واضحاً للمرحلة التالية : إنهاء أي إطار يربط الضفة الغربية بفكرة التسوية ونقلها إلى منطق السيادة الإسرائيلية المطلقة.

وما لا يقال بصوت عالٍ هو أن هذا المشروع لا يستهدف الفلسطينيين وحدهم، بل يعيد إنتاج سيناريو النكبة ذاتها التي حلّت قبل سبعين عاماً، حين هُجّر مئات الآلاف من الفلسطينيين من ديارهم وتحولوا إلى لاجئين في الضفة والقدس والأردن , اليوم الأردن هو الهدف التالي في قائمة "إسرائيل الكبرى".

لم يكن اتفاق أوسلو الذي وقع عام 1993 يوماً مشروع سلام بقدر ما كان إطاراً لإدارة الاحتلال بتكلفة أقل , فإسرائيل حصلت منذ اللحظة الأولى على المكسب الأهم : اعتراف فلسطيني رسمي بها وتخلي منظمة التحرير عن خيار المقاومة، من دون أن تقدم بالمقابل اعترافاً مماثلاً بالدولة الفلسطينية أو التزاماً واضحاً بإنهاء الاحتلال.

هذا الاختلال الجوهري جعل من أوسلو أداة إسرائيلية بامتياز، إذ حوّل السلطة الفلسطينية إلى شريك أمني يتولى قمع المقاومة بالنيابة عن الاحتلال، ونقل إليها عبء إدارة نحو ثلاثة ملايين فلسطيني بينما احتفظت إسرائيل بالسيطرة الكاملة على الأرض والموارد، ووفر لها ثلاثة عقود من الغطاء السياسي والدولي لتوسيع الاستيطان من 268 ألف مستوطن عام 1993 إلى 780 ألفاً عام 2026.

ولطمس الخط الفاصل في القدس، من هدم حارة المغاربة إلى القطار الخفيف، ومن "بوابة الدموع" إلى 230 ألف مستوطن في القدس الشرقية.

اليوم وبعد أن أصبحت المستوطنات أمراً واقعاً، والقدس هُوّدت عملياً، والضفة مقطعة الأوصال بفعل الجدار والطرق الالتفافية، لم تعد إسرائيل بحاجة إلى غطاء أوسلو السياسي, بل إن الاتفاق نفسه أصبح عبئاً أيديولوجياً لأنه يحتفظ ولو رمزياً بفكرة "دولة فلسطينية" و"أرض محتلة".

وفي ظل "اللحظة الترامبية" والدعم الأمريكي المطلق، وتفكك خيار المقاومة بعد حرب غزة والإبادة الجماعية التي تذكر بمجازر 1948، وإضعاف السلطة الفلسطينية التي تحولت من أداة تحرير إلى جهاز إداري تحت الاحتلال، يرى اليمين الإسرائيلي أن الفرصة سانحة لإكمال ما بدأته النكبة قبل سبعة عقود: تصفية القضية الفلسطينية من جذورها.

هنا يأتي الخطر الداهم على الأردن الذي استقبل الموجة الأولى من اللاجئين عام 1948 ثم عام 1967، ويعيش اليوم على وطأة ثقل ديمغرافي واقتصادي هائل, ففي خرائط "إسرائيل الكبرى" التي يعرضها نتنياهو في المؤتمرات الدولية، تمتد "أرض إسرائيل" لتشمل الضفة الغربية وغزة والأردن وأجزاء من سوريا ولبنان والعراق.

الأردن في هذه الرؤية ليس دولة ذات سيادة بل جزء من "أرض إسرائيل" التاريخية، كما كان الحال في خرائط العصابات الصهيونية قبل عام1948.

ومع إلغاء أوسلو تتوقع التحليلات أن يتكرر سيناريو النكبة بصيغة جديدة: تهجير قسري لفلسطينيي الضفة والقدس، وهذه المرة باتجاه الأردن، تحت عنوان "تشجيع الهجرة" الذي يطلقه سموتريتش وبن غفير علناً.

مئات الآلاف من الفلسطينيين قد يجدون أنفسهم كما حدث قبل سبعين عاماً على الطرقات وفي مخيمات اللجوء، ولكن هذه المرة في الأردن الذي سيضطر لاستيعاب موجة نزوح جديدة لا طاقة له بها، مما يهدد اقتصاده وبناه التحتية واستقراره الديمغرافي والأمني.

ليس هذا فقط فالخطر الأردني يتجاوز التهجير إلى مشروع "الوطن البديل" الذي عاد إلى الواجهة بقوة, فمع إلغاء السلطة الفلسطينية أو تفكيكها إلى "كيانات بديلة" أو "روابط مدن" كما يشير المحللون، قد تسعى إسرائيل إلى "توضيب" القضية الفلسطينية على حساب الأردن، أي تحويل المملكة إلى البديل الجغرافي والسياسي للدولة الفلسطينية، وتصفية حق العودة بالقوة.

هذا ما يفسر لماذا يتزامن الحديث عن إلغاء أوسلو مع تصريحات إسرائيلية عن "التمدد حتى دمشق" و"إسرائيل من النهر إلى البحر"، وعن إنهاء دور الأردن في الوصاية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، التي تشكل ثقلاً سياسياً ودينياً هاماً للمملكة منذ عقود.

في خضم هذا الخطر الداهم الذي يذكّر بأسوأ أيام النكبة، يبقى المشروع الوطني الفلسطيني غائباً, فبعد سبعين عاماً من النضال تحولت السلطة الفلسطينية كما يصف المحللون من أداة تحرير إلى غاية في حد ذاتها، ومن حركة وطنية إلى جهاز إداري يدير حياة السكان تحت الاحتلال.

وقد ثبت فشل أوسلو في تحقيق أي من أهدافه الوطنية، بل ساهم في تعميق الاحتلال وتوسيع الاستيطان وتفريغ المقاومة من مضمونها.

هذا الفراغ الفلسطيني إضافة إلى الانقسام الداخلي وغياب الرؤية الواضحة، هو ما يضع الأردن في موقع بالغ الخطورة، إذ يجد نفسه أمام مشروع إسرائيلي متكامل يسعى إلى تصفية القضية الفلسطينية على حساب أراضيه، من دون أن يجد شريكاً فلسطينياً قادراً على مواجهة هذا التحدي.

المطلوب أردنياً وعربياً اليوم هو إدراك أن ما يجري ليس مجرد إلغاء لاتفاقية عجوز، بل هو إعلان عن نكبة ثانية قد تكون أشد فتكاً من الأولى.

على عمّان أن تقود تحركاً عربياً ودولياً عاجلاً لمواجهة مشروع الإلغاء والضم والتهجير، وأن تعد خططاً طارئة لمواجهة أي محاولات لدفع الفلسطينيين قسراً نحو أراضيها، وأن تذكّر العالم بأن الأردن دفع ثمناً باهظاً للنكبة الأولى قبل سبعين عاماً، حين استقبل موجات اللجوء المتتالية وتحمل أعباءها عقوداً طويلة، ولن يقبل بدفع ثمن نكبة جديدة.

وعلى العرب أن يدركوا أن معركة الضفة والقدس هي معركة الأردن أولاً، وأن ما يحدث لن يتوقف عند نهر الأردن، بل سيمتد إلى كل العواصم العربية إذا لم يتحرك الجميع الآن.

لم يكن أوسلو يوماً سلاماً ضائعاً بل كان احتلالاً مُعاد ترتيبه، وهو امتداداً للنكبة بوسائل جديدة.

اليمين الإسرائيلي اليوم لا يلغي الاتفاق لأنه فشل، بل لأنه نجح في أداء وظيفته، ويرى أن اللحظة مواتية لإتمام ما بدأته النكبة قبل سبعين عاماً : طرد الفلسطينيين من أرضهم وتصفية قضيتهم.

الخطر ليس فقط على الضفة وغزة، بل على الأردن وكل المنطقة, فهل يتعلم العرب من دروس 1948، أم أن التاريخ سيعيد نفسه والجميع يتفرجون؟!

مدار الساعة ـ