لم يعد الحديث عن تعديل النظام الداخلي لمجلس النواب ترفاً سياسياً، ولا نقاشاً شكلياً يُطرح مع بداية كل دورة برلمانية ثم يُرحّل إلى الأدراج، بل بات اليوم استحقاقاً تشريعياً وسياسياً لا يحتمل التأجيل، في ضوء ما أفرزته التجربة البرلمانية الأخيرة من ملاحظات جوهرية تتعلق بفاعلية الأداء، وطبيعة مناقشة مشاريع القوانين، ومستوى الحضور الرقابي، ومدى قدرة المجلس على مواكبة متطلبات المرحلة السياسية والتشريعية الجديدة.
فالنظام الداخلي، في جوهره، ليس مجرد نصوص إجرائية تنظم ترتيب البنود على جدول الأعمال أو تحدد أدوار المتحدثين تحت القبة، بل هو “الكتالوج” الحقيقي الذي يحكم إيقاع المؤسسة التشريعية بأكملها، ويحدد مدى قدرتها على الإنجاز، وجودة مخرجاتها، وصورتها أمام الرأي العام. ومن هنا، فإن أي خلل في هذا النظام ينعكس مباشرة على الأداء النيابي، ويُترجم إلى بطء في الإنجاز التشريعي، وضعف في الأدوات الرقابية، وتراجع في ثقة الشارع بقدرة المجلس على تمثيل مصالحه بفاعلية.لقد كانت التجربة العملية خلال الدورة الماضية كفيلة بإعادة فتح هذا الملف بقوة؛ فالمتابع لجلسات مناقشة مشاريع القوانين يلاحظ بوضوح حجم الوقت المستنزف في مداخلات متكررة حول المادة الواحدة، دون إضافة نوعية في الطرح أو تقدم حقيقي في مسار النقاش. وفي كثير من الأحيان، تحولت الجلسات إلى مساحة لتكرار الموقف ذاته بصيغ متعددة، الأمر الذي أفقد النقاش التشريعي عمقه، وأضعف قدرة المجلس على إنجاز جدول أعماله ضمن مدد زمنية معقولة.وهنا لا تتعلق الإشكالية بحق النائب في الحديث أو إبداء الرأي، فهذا حق أصيل لا يجوز المساس به، ويشكّل أحد أهم مظاهر العمل البرلماني الديمقراطي، لكن المسألة ترتبط بغياب تنظيم أكثر حداثة وفعالية لتمثيل الكتل البرلمانية داخل النقاشات التشريعية. فالحاجة أصبحت ملحّة لتطوير آليات تمثيل الكتل وممثليها في المداولات تحت القبة، بحيث يتم منح كل كتلة مساحة منظمة وواضحة للتعبير عن موقفها السياسي والتشريعي، بما يضمن إيصال الرأي دون الوقوع في فخ التكرار الفردي الذي يستهلك الوقت ويفقد الجلسة إنتاجيتها.وفي البرلمانات المتقدمة، لا يُقاس نجاح الجلسة بعدد المتحدثين بقدر ما يُقاس بقدرتها على إنتاج موقف تشريعي واضح ونقاش نوعي مركز. أما الإبقاء على الآلية الحالية، فهو يعني استمرار الجلسات الطويلة ذات المردود المحدود، واستمرار الانطباع الشعبي بأن المؤسسة التشريعية تدور في الحلقة ذاتها دون تقدم ملموس.ولا يقف الأمر عند حدود المداخلات التشريعية، بل يمتد إلى ملف لا يقل أهمية، وهو تطوير أدوات العمل الرقابي، وفي مقدمتها الأسئلة النيابية والاستجوابات وطلبات المناقشة العامة، من خلال وضع مدد زمنية أكثر إلزاماً للحكومة في الرد، ومنح المجلس آليات متابعة تضمن عدم تحول السؤال النيابي إلى مجرد إجراء بروتوكولي بلا أثر سياسي أو رقابي فعلي.صحيح أن رئيس مجلس النواب عمل خلال الفترة الماضية على توسيع المساحة الرقابية عبر طرح بند “ما يستجد من أعمال” ليكون نافذة أوسع لطرح قضايا الشارع ومستجدات الساحة المحلية، وهو نهج يستحق التقدير في تفعيل الحضور الرقابي، إلا أن ذلك لا يغني عن الحاجة إلى تثبيت أدوات رقابية أكثر وضوحاً ومأسسة داخل النظام الداخلي نفسه، بما يجعل الرقابة جزءاً أصيلاً من بنية العمل النيابي لا اجتهاداً ظرفياً مرتبطاً بإدارة الجلسة.ومع دخول المجلس في المرحلة المقبلة على حزمة من مشاريع القوانين ذات الطابع الاقتصادي والإداري والخدمي، فإن التعامل معها بالنظام الداخلي ذاته سيعيد إنتاج المشهد نفسه: بطء في النقاش، واستنزاف في الوقت، وتراجع في كفاءة الإنجاز. ولذلك، فإن المنطق البرلماني السليم يقتضي أن يبدأ المجلس من حيث يجب أن يبدأ: من مراجعة أدواته الداخلية قبل مراجعة نصوص القوانين المعروضة عليه.المطلوب اليوم ليس مجرد حديث عام عن النوايا، بل الشروع منذ الآن في إعداد مسودة متكاملة لتعديل النظام الداخلي، تشارك في صياغتها اللجنة القانونية، والمكتب الدائم، ورؤساء الكتل، وخبراء العمل البرلماني، بحيث تُطرح مع افتتاح الدورة المقبلة كمشروع إصلاح داخلي جاد يؤسس لمرحلة أكثر نضجاً في الأداء التشريعي والرقابي.وحتى إذا ما انعقدت دورة استثنائية — كما يتردد — تحمل عدة مشاريع قوانين، ولم يُدرج ضمن الإرادة الملكية مشروع تعديل النظام الداخلي، فإن ذلك لا يمنع من الذهاب إلى ميثاق عمل برلماني أو مسودة تفاهم تلتزم بها الكتل النيابية وممثلوها، تشكل بداية عملية لضبط النقاشات وتجويد الأداء إلى حين طرح التعديل رسمياً في دورة عادية.فنجاح مجلس النواب في السنوات المقبلة لن يُقاس فقط بعدد القوانين التي يقرها، بل بكيفية إقرارها، وبقدرته على إدارة نقاشاته بكفاءة، وبمستوى حضوره الرقابي والسياسي أمام المواطنين. ومن هنا، فإن تعديل النظام الداخلي لم يعد تفصيلاً إجرائياً، بل أصبح المدخل الحقيقي لإعادة بناء الفاعلية البرلمانية واستعادة ثقة الشارع بالمؤسسة التشريعية.ختاماً، إذا كان الجميع قد أدرك مكامن الخلل بعد التجربة الأخيرة، فلماذا لا تكون بداية الدورة المقبلة لحظة التصحيح؟ فالمجلس الذي يريد تطوير مخرجاته، عليه أولاً أن يطور قواعد عمله، لأن تحديث العمل البرلماني يبدأ من تحديث أدواته، وكل تغيير جاد في هذه الأدوات سينعكس بالضرورة على تجويد مشاريع القوانين، وتعزيز الرقابة، ورفع سوية الأداء الوطني تحت القبة.لماذا على النواب تعديل نظامهم الداخلي؟ وماذا لو بدأوا بذلك في دورتهم المقبلة؟
سلطان عبد الكريم الخلايلة
لماذا على النواب تعديل نظامهم الداخلي؟ وماذا لو بدأوا بذلك في دورتهم المقبلة؟
مدار الساعة ـ
