أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

حين تعجز العقول عن الإحاطة

مدار الساعة,شؤون دينية
مدار الساعة ـ
حجم الخط

تدبيرُ اللهِ لخلقِه لا تُحيطُ به عقولُنا القاصرة، ولا تُدركُه حساباتُنا البشرية المحدودة؛ فكم من أمرٍ ظننّاه شرًّا، وكان في باطنه رحمة، وكم من طريقٍ حسبناه هلاكًا فإذا به نجاة! تدبيرُ اللهِ لخلقِه لا تُحيطُ به عقولُنا القاصرة، ولا تُدركُه حساباتُنا البشرية المحدودة؛ فكم من أمرٍ ظننّاه شرًّا، وكان في باطنه رحمة، وكم من طريقٍ حسبناه هلاكًا فإذا به نجاة! فإن الله إذا أراد أمرًا أحكم له ظروفه، وضبط له خيوطه، وأحكم تفاصيله إحكامًا يُدهِش العقول، فنقف أمامه منبهرين من دقّة الحبك وبراعة التدبير. تأمّل معي قصة نبيّ الله موسى عليه السلام بين أمٍّ حنونٍ رقيقة، وفرعون طاغيةٍ جبّار! رضيعٌ ضعيف، وأمٌّ يعتصرها الخوف من بطش فرعون، فإذا بتدبير الله يأتي على وجهٍ يعجز العقل عن تصوّره؛ يُلقى الطفل في اليمّ ليُحمى من القتل، ويُربّى في قصر عدوّه! {وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} ولم يقف التدبير عند هذا الحد، بل اكتمل إحكامُه؛ فجُبر كسرُ الأم، ورُدّ إليها ولدُها بعد أن كاد الفؤاد أن يطيش: {فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} إنه تدبيرٌ يبدأ من حيث نظنّ النهاية! وهذا الحفظ والحبك والضبط لهذه التقديرات لا يمكن لعقولنا أن تستوعبه؛ ولو وردت هذه القصة في كتب الأمم الأخرى لما صدّقها كثير من الناس، حتى جاء بها القرآن فصارت يقينًا تُذعن له العقول، وإن عجزت عن إدراك كنهه. وإذا انتقلتَ إلى السيرة النبوية، رأيت المشهد ذاته يتكرّر بوجهٍ آخر؛ دعوةٌ ناشئةٌ مستضعفةٌ في ظاهرها، وأعداءٌ يتربّصون بها من كل جانب، لكن الله يُجري من الأسباب ما يحفظها ويُمهّد لها طريق التمكين. فقد شُغلت أعظم قوتين في ذلك الزمان—الروم والفرس—بحربٍ طاحنةٍ استنزفت قواهما لسنوات طويلة، فانصرفتا عن الجزيرة، وبقيت قريشٌ وحدها في مواجهة الدعوة، عاجزةً عن استدعاء دعمٍ خارجيٍّ حاسم. وعلى الرغم من العلاقة التجارية التي كانت تربط قريشًا بالروم في الشام، لم تستطع طلب المدد منهم؛ لانشغال الروم بحربهم الطاحنة مع الفرس: {غُلِبَتِ الرُّومُ • فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} وكأن الله يُعيد ترتيب موازين القوة قبل أن تكتمل حلقات الصراع؛ فكان هذا التدبير الممتد توطئةً لقيام الدعوة، حتى يتمكن النبي ﷺ من بناء دولته. ثم تأمّل حادثة الإفك، ذلك الابتلاء العظيم الذي هزّ المجتمع، وكاد يُثقِل قلب النبي ﷺ وأهل بيته؛ لكن الله لم يجعلها محنةً عابرة، بل جعلها مِحكًّا إيمانيًا، وميزانًا يُفرّق بين الصادق والمنافق، وجعل براءة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قرآنًا يُتلى إلى قيام الساعة: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} فصارت براءتُها عقيدة، والطعنُ فيها طعنٌ في الوحي ذاته! تدبيرُ الله لا يُقاس باللحظة، بل بالمسار الكامل، ولا يُفهم من ظاهر الحدث، بل من مآلاته: {إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} فإذا ضاقت بك الأسباب، وانغلقت عليك الأبواب، فتذكّر: أن الله يُدبّر في الخفاء ما يعجز عقلك عن تصوّره، ويُهيّئ لك من حيث لا تحتسب ما يُدهشك حين يقع. فجدّد ثقتك بالله، وأحسن ظنّك به تنجُ

رابط المادة: http://iswy.co/e2ot58


مدار الساعة ـ