أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الراجحي يكتب: الإعلام والوجود الإنساني


أ.د. مناور بيان الراجحي
استاذ الصحافة والإعلام بجامعة الكويت

الراجحي يكتب: الإعلام والوجود الإنساني

أ.د. مناور بيان الراجحي
أ.د. مناور بيان الراجحي
استاذ الصحافة والإعلام بجامعة الكويت
مدار الساعة ـ

لم يعد الإعلام في عالمنا المعاصر مجرد وسيلة لنقل الكلمات، بل تحول إلى "الجهاز العصبي" المحرك للمجتمعات الإنساني، فكما ينسق الجهاز العصبي حركات أعضاء الجسد ويضمن تماسكها، تقوم وسائل الاتصال بربط مفاصل المجتمع وتوجيه بوصلته نحو البقاء والارواح، ذلك أن الإعلام لا يكتفي بنقل الخبر، بل يقوم بمجموعة استراتيجية من الوظائف التي تنتج تأثيرات بعيدة المدى، تعيد تشكيل هوية الفرد، وتماسك الجماعة، واستقرار الدولة. ولكثرة تدفق المعلومات أصبح الإنسان دائماً في عالم مضطرب: تبدأ الرحلة "بوظيفة الإخبار" وهي الرئة التي يتنفس من خلالها المرء في عالمه الصغير والكبير، فالإعلام في جوهره هو استطلاع مستمر ومراقبة دقيقة للبيئة، حيث يقوم بجمع المعلومات ومعالجتها ونشرها لتزويد المتلقي بالأحداث التي تمس مصالحه ومصالح بلاده، لكن الوظيفة الإخبارية تتجاوز مجرد "سرد الوقائع"، فهي الركيزة الأساسية لتحقيق الديمقراطية السليمة، ومن خلال منح المعرفة وتقديم الحقائق بموضوعية، يتمكن أفراد المجتمع من تكوين آراء سديدة وإصدار أحكام عادلة. حيث يقوم الإعلام هنا بدور المنتدى المفتوح، يكسر العزلة الشخصية ويوصل الإنسان بالعالم الخارجي، محولاً الغموض إلى وضوح.

إن الوظيفة الأكثر هيبة للأخبار هي وظيفه الرقابة، ولذلك استحق الإعلام لقب "السلطة الرابعة" عن جدارة، لأنه الدرع الذي يحمي المجتمع من الفساد وإساءة استخدام السلطة. ذلك أن وسائل الإعلام تمارس دوراً تفتيشاً دقيقاً على السلطات الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية)، مما يجعلها عوناً للحكومات الرشيدة في كشف الخلل وصيانة المصلحة العامة، ولا يقتصر ذلك الدور الرقابي على تصيد للأخطاء، بل هو نظام اجتماعي يسهم في تعزيز القيم والمعايير التي تحقق التوافق بين أفراد المجتمع ويعزز ثقتهم في مؤسسات الدولة ويضمن سيادة القانون.

ولا يقتصر دور الاتصال على الحاضر، بل يمتد ليكون السلسلة التي تربط الماضي بالمستقبل عبر وظيفة تربط المجتمع ونقل تراثه، فالاتصال هو السبيل الوحيد الذي يربط أفراد الأسرة ببعضهم، والشعب بحكومته، ومن خلال نقل قيم الشعب وعاداته ولغته، يمنح الاتصال للمجتمع خصائصه المميزة التي تجعله "عصياً" على الاختراق الثقافي، والتنشئة الاجتماعية والسياسية والدينية التي تتم عبر قنوات الاتصال، وهي الضمانة الوحيدة لاستمرارية كيان المجتمع وحفظ معتقداته وفلسفته، ما يجعلنا نقف أمام وظيفة سيادية بامتياز، تهدف إلى توحيد الأفراد لتحقيق آمالهم المشتركة، وحماية "السيادة الإدراكية" للوطن أمام عواصف العولمة والتغريب.

وفي تكامل فريد، تأتي وظيفة الإعلام والتعليم لتصيغ عقل الإنسان، فبينما يقدم الإعلام المعلومات الحياتية التي يستفيد منها المرء مادياً وفكرياً، يقوم التعليم بتقديم المعرفة المنهجية لتدعيم التعليم الرسمي أو إكساب المهارات الجديدة، وهذا الاندماج يجعل من وسائل الإعلام مدرسة مفتوحة تعمل على مدار الساعة، ترفع من سوية الوعي الجمعي وتدفع بالفرد نحو التكيف الحضاري والنمو الفكري المستمر. من هنا، تنبثق الوظيفة المحورية وهي تكوين الآراء والاتجاهات، فالرأي العام ليس مجرد فكرة عابرة، بل هو القوة السائدة التي تربط الجماهير إزاء القضايا المصيرية، وهنا يبرز الدور الخطير لوسائل الاتصال في تشكيل هذه القناعات، فهي التي تختار الزاوية التي يرى من خلالها الناس العالم، وهي التي تمنح المعاني للأوضاع القائمة، مما يجعلها المحرك الأول لصناعة المواقف الوطنية والسياسية.

كما يبرز "الإعلان" كوظيفة أساسية لتحريك العجلة التجارية، فهو يخدم المستهلك بتعريفه بالسلع، ويخدم المعلن بترويج إنتاجه، ويخدم الوسيلة الإعلامية بضمان استمراريتها المالية، ومع ذلك، يجب أن نكون واعين للجانب الآخر، فالإعلان قد يشجع الروح الاستهلاكية المفرطة ويخلق عادات شرائية في مجتمعات تستهلك أكثر مما تنتج، مما يفرض على الإعلام ضرورة الموازنة بين الترويج الاقتصادي وحماية التوازن المعيشي للمواطن.

وأخيراً، تأتي "وظيفة الترفيه" لتكون بلسماً لمتاعب العمل الجاد، فالإنسان لا يمكنه العيش في توتر مستمر، لذا كان الغناء واللعب والضحك أشكالاً ضرورية للتوازن النفسي، لذا نجد الإعلام اليوم يمزج بين التسلية والمعلومة، مما يسمح للمتلقي بالتفريج العاطفي والتنفيس عن الطاقات المكبوتة، فالترفيه الرصين ليس لهوا عبثيا، بل وسيلة لإخراج الناس من صمتهم الفكري وإعادة تجديد نشاطهم للمساهمة في بناء الوطن. إن تللك الوظائف المتعددة والمتداخلة تؤكد أن الإعلام ليس مجرد ناقل للرسائل، بل هو صانع للواقع، وإن المسؤولية الملقاة على عاتق القائمين بالاتصال تتطلب إخلاصاً ووعياً ويقظة لضمان أن يظل هذا "الجهاز العصبي" سليماً، يغذي المجتمع بالحقائق، ويحمي تراثه، ويصون سيادته، ويقود أبناءه نحو مستقبلٍ يسوده الوعي والأمن والأزدهار.

وأنت عزيزي القارئ: ماذا يعني لك الإعلام؟ ودمتم.

مدار الساعة ـ