أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أحزاب أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الفساد الإداري: الخطر الصامت


المحامي الدكتور يزن دخل الله حدادين

الفساد الإداري: الخطر الصامت

مدار الساعة ـ

تحارب الدولة الأردنية الفساد الإداري لأنه يضعف هيبة المؤسسات ويؤثر سلباً على العدالة وكفاءة الخدمات وثقة المواطن بالدولة. كما أن مكافحة الفساد تُعد أساساً مهماً لتعزيز الاستثمار وتحقيق التنمية وحماية المال العام، وبناء إدارة تعتمد على الكفاءة والشفافية وسيادة القانون بدلاً من المحسوبية واستغلال النفوذ.

الفساد الإداري لا يبدأ دائماً بحقيبة أموال تُسلَّم في غرفة مغلقة، ولا ينتهي فقط بعقود مشبوهة أو اختفاء ملايين من المال العام. أحياناً يبدأ بكلمة “دبّرها”، أو باتصال هاتفي يطلب تعيين شخص غير مؤهل، أو بتوقيع يُؤجَّل عمداً حتى “تُفهم الرسالة”، أو بموظف يعتبر أن موقعه الوظيفي امتياز شخصي لا مسؤولية عامة. الأخطر في الفساد الإداري أنه يتسلل إلى مؤسسات الدولة بهدوء، ويتحوّل مع الوقت إلى ثقافة يومية مقبولة، حتى يصبح الالتزام بالقانون استثناءً، بينما تتحول الواسطة والمحسوبية واستغلال النفوذ إلى أدوات “طبيعية” لإنجاز المعاملات.

الفساد الإداري ليس نوعاً واحداً، بل منظومة متشابكة تضرب كفاءة الدولة وثقة الناس بها في آن واحد. هناك فساد الرشوة المباشر، وهو الشكل التقليدي الذي يدفع فيه المواطن مالاً للحصول على حقه أو لتجاوز القانون. وهناك فساد المحسوبية الذي يقوم على تعيين الأقارب والأصدقاء وأصحاب الولاءات بغض النظر عن الكفاءة، ما يؤدي إلى تراجع مستوى المؤسسات وتحويل الوظيفة العامة إلى غنيمة لا إلى خدمة وطنية. كما يوجد فساد تعطيل المعاملات، وهو من أكثر الأنواع انتشاراً في بعض الإدارات، حيث تُستخدم البيروقراطية والتأخير المتعمد كوسيلة ابتزاز غير مباشر للمراجعين. وهناك أيضاً فساد استغلال المعلومات، عندما تُستخدم البيانات أو النفوذ الإداري لتحقيق مصالح خاصة أو تجارية أو سياسية.

الأخطر من كل ذلك هو “الفساد الصامت”، ذلك الذي لا يُكتشف بسهولة لأنه يرتدي ثوب القانون والإجراءات الرسمية. مدير يحيط نفسه بمجموعة من المصفقين ويقصي أصحاب الكفاءة. مسؤول يمنح العقود ذاتها لأشخاص محددين بحجج فنية معقدة. موظف يحارب أي تطوير خوفاً على مصالحه الشخصية. هذه الممارسات لا تسرق المال العام فقط، بل تقتل روح المبادرة وتدفع الكفاءات إلى الهجرة أو الصمت أو الانسحاب من الحياة العامة. وعندما يشعر المواطن أن الفرص لا تُمنح بعدالة، وأن الوصول إلى الحقوق يحتاج إلى “واسطة”، يبدأ الانهيار الحقيقي في العلاقة بين الدولة والمجتمع.

الفساد الإداري لا يُقاس فقط بحجم الأموال المهدورة، بل بحجم الإحباط الذي يصنعه. عندما يخسر شاب فرصة عمل لأنه لا يملك نفوذاً، وعندما تتعطل مشاريع تنموية بسبب مصالح ضيقة، وعندما تتراجع الخدمات لأن المناصب تُدار بعقلية الولاء لا الكفاءة، فإن الدولة تدفع ثمناً أكبر بكثير من الخسائر المالية. فالفساد يضعف الاقتصاد، ويُبعد الاستثمار، ويُفقد المؤسسات هيبتها، ويخلق شعوراً عاماً بأن العدالة انتقائية وليست قاعدة ثابتة.

ومع ذلك، فإن مواجهة الفساد لا تكون بالشعارات ولا بالخطب الموسمية. محاربة الفساد تبدأ أولاً بإرادة سياسية وإدارية حقيقية تعتبر أن حماية المال العام وهيبة القانون أولوية وطنية لا ملفاً إعلامياً مؤقتاً. الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى أنظمة واضحة للتعيين والترقية تقوم على الكفاءة والشفافية، لا على العلاقات الشخصية. كما يحتاج إلى رقابة مؤسسية مستقلة تمتلك صلاحيات فعلية، وإلى قضاء سريع وحازم في القضايا المرتبطة بالمال العام واستغلال النفوذ.

التحول الرقمي أيضاً أصبح سلاحاً أساسياً في مواجهة الفساد الإداري. كلما قلّ الاحتكاك المباشر بين الموظف والمراجع، تقلّ فرص الابتزاز والتلاعب. الخدمات الإلكترونية، وأنظمة المشتريات الحكومية الشفافة، وربط البيانات بين المؤسسات، كلها أدوات تحد من قدرة الفاسدين على الاختباء خلف التعقيدات الإدارية. لكن التكنولوجيا وحدها لا تكفي إذا بقيت العقلية القديمة تتحكم بالمشهد. فبعض أشكال الفساد تتكيّف حتى مع الأنظمة الحديثة إذا غابت المحاسبة.

ومن أهم أدوات المواجهة أيضاً حماية الموظف النزيه لا تركه وحيداً. كثير من أصحاب الكفاءة يخشون مواجهة الفساد لأنهم يدركون أن شبكات المصالح قد تكون أقوى من القانون أحياناً. لذلك فإن بناء بيئة عمل تحمي المبلغين عن التجاوزات، وتكافئ النزاهة، وتمنح الموظف الشريف شعوراً بالأمان المهني، هو جزء أساسي من أي إصلاح حقيقي. فالدولة التي لا تحمي النزيهين تفتح الباب تدريجياً أمام سيطرة الانتهازيين.

كما أن المجتمع نفسه يتحمل جزءاً من المسؤولية. لا يمكن للناس أن تهاجم الفساد علناً ثم تمارسه يومياً عبر الواسطة والتهرب من القانون والسعي للحصول على امتيازات خاصة. محاربة الفساد تبدأ أيضاً من الثقافة العامة، من المدرسة والجامعة والإعلام والأسرة، ومن ترسيخ فكرة أن احترام القانون ليس ضعفاً، وأن الوظيفة العامة مسؤولية وليست فرصة للنفوذ الشخصي.

في النهاية، أخطر ما في الفساد الإداري أنه لا يهدم المؤسسات دفعة واحدة، بل يستنزفها ببطء حتى تبدو قوية من الخارج وهشة من الداخل. والدول لا تسقط فقط بالحروب، بل قد تتآكل من الداخل عندما تتحول الإدارة العامة إلى شبكة مصالح مغلقة لا ترى المواطن إلا رقماً هامشياً. لذلك فإن معركة النزاهة ليست رفاهية سياسية، بل معركة بقاء للدولة الحديثة، ومعياراً حقيقياً لاحترام المواطن وثقته بمؤسساته ومستقبله.

مدار الساعة ـ