الدخول إلى التاريخ من ثقب الباب هو المشهد الأكثر غرابة، والأكثر سريالية في الوضع الفلسطيني، بعد أن بدأت الخطوات الأولى لتطبيق نموذج التوريث الذي نُسِج على خيوط كثيرة وخطوط طويلة متعرجة للوصول إلى قاعدة "الله.. الوطن.. العائلة"، وهو نموذج تم الوصول إليه بعد إجراء عملية "إخصاء" شاملة أدخلت فصائل منظمة التحرير في غرفة الإنعاش.
لا ندري ما هي الفلسفة الاستراتيجية لـ"القصر الحاكم" في رام الله في اعتماد مبدأ توريث الحكم، ومدى ارتباطه بإلقاء ورقة المقاومة من إحدى نوافذ هذا "القصر"، في رسالة للجميع أراد أن يقول "حاكم القصر" من خلالها: "أنا ملك القرار"، دون أي التفاتة لدقة المأزق الذي يواجهه فلسطينيو الضفة الغربية.كثيرون يتحدثون اليوم عن مقدمات وإجراءات لعبة التوريث، إلى الحد الذي ذهب بعضهم إلى القول إن "لعنة دمشق" حاضرة وبقوة، وأن معرفة الأسباب الكامنة وراء هذه اللعبة تتطلب عملية استخباراتية خارقة، أو اختراقًا للخطوط الداخلية السرية في قصر رام الله.لا يعنينا من يختار الفلسطينيون لحكمهم، لكن ما يعنينا أن لا تتحول الضفة الغربية إلى مسرح لكل أشكال الفوضى، خصوصًا أن الأوضاع المعقدة فلسطينيًا لا تحتمل أي هامش تكتيكي قد يفتح بوابات الصراع الداخلي، حال إسهاب ومواصلة "صاحب قصر" رام الله في الحديث عن "السوبر دولة" داخل "الميني دولة".لا يدرك، وربما يدرك، المتفرد بالقرار الفلسطيني أن فتح الطريق لنظرية التوريث أدى إلى التسخين السياسي، وهو أمر قد ينقلب في لحظة ما إلى تسخين أمني مفتوح على كل الاحتمالات. فما جرى من إقصاء متعمد لقيادات من حركة فتح من عضوية المؤتمر الثامن شكّل الخطوة الأولى على طريق توريث الحكم، وفتح الأبواب أمام نجل الرئيس للوصول إلى اللجنة المركزية، وهي خطوة أولى تسبق ترشحه لانتخابات الرئاسة الفلسطينية.ما يجري في السلطة الفلسطينية يأتي والمنطقة تعيش حالة من انعدام الوزن وانعدام الرؤية، والإسرائيليون يضربون مناطق الضفة الغربية بمنتهى الوحشية، وسلطة الحكم الذاتي منهمكة في لعبة الكراسي، ما يعكس فردية الحكم العاجز عن إحداث أي اختراق في جدار الأزمة التي تنهش الجسد الفلسطيني، والواضح أن رام الله الآن تعيش حالة ما بين الملهاة السياسية والكرنفال السياسي.لقد اكتملت الصورة الآن لمن لا يعرف منظمة التحرير جيدًا.. فهذه تعنيها كثيرًا المشاهد الدرامية، ففكرة التوريث تحمل مخاطر سياسية واجتماعية وأمنية باعتبارها الأكثر حساسية والأكثر تهديدًا للوضع الفلسطيني برمته، في الوقت الذي كان يجب على سلطة رام الله إبقاء الأمور في سياقها الطبيعي.