مع اقتراب استحقاق انتخابات اتحاد طلبة الجامعة الأردنية، يبرز إلى السطح حراك فكري وجدل محمود حول التعليمات المعدلة التي أقرتها إدارة الجامعة مؤخراً. ورغم تباين القراءات، إلا أن الغوص في تفاصيل هذه التعديلات يكشف عن رؤية استراتيجية تهدف إلى الانتقال بالعمل الطلابي من "التمثيل الرقمي" الصرف إلى "التمثيل النوعي" الشامل، بما يضمن موازنة دقيقة بين شرعية الصندوق وضرورات الكفاءة والشمولية.
إدراج نسبة التعيين (18%): مأسسة الكفاءة وتجاوز العوائق التقليديةترتكز التعديلات الجديدة على إدراج نسبة تعيين تصل إلى 18% من مقاعد الاتحاد؛ وهي خطوة لا ينبغي النظر إليها كـ "نفي" لمبدأ الانتخاب، بل كـ "تكامل" معه. فالتجربة الطلابية أثبتت أن الانتخابات التقليدية قد تعجز أحياناً عن إفراز طاقات متميزة لعدم امتلاكها قاعدة عشائرية أو جهوية تدعمها.هنا، يبرز التعيين كآلية لاستقطاب الكفاءات المتميزة في مجالات علمية وأكاديمية دقيقة، وضمان وجود ذوي الخبرة الذين يمتلكون الرؤية بعيداً عن صخب الماكينات الانتخابية. كما أن هذا التوجه يفتح الباب على مصراعيه لتمثيل فئات قد تُظلم في الحسابات الانتخابية، وعلى رأسهم الطلبة من ذوي الاحتياجات الخاصة، مما يعزز من شمولية الاتحاد ويجعله معبراً عن كافة مكونات الجسم الطلابي.علاوة على ذلك، يضمن التعيين وجود الفئة المهتمة بـ الجانب التعليمي الصرف، التي تنأى بنفسها عادة عن الاستقطاب السياسي الحاد، مما يرفد الاتحاد بعقول قادرة على تطوير البيئة الأكاديمية. ولا يفوتنا أثر ذلك في تحقيق التوازن الجغرافي للمناطق التي تعاني من ضعف التمثيل، لضمان عدالة الحضور لكل طالب بغض النظر عن منبته الجغرافي.تمكين المرأة والكوتا النسائية: من النمطية إلى القيادة الفاعلةتأتي آلية تعيين "الكوتا" للطالبات لتشكل رافعة حقيقية للمرأة في الوسط الجامعي. إن الهدف هنا يتجاوز مجرد الحضور العددي إلى تغيير الصورة النمطية حول قدرة الطالبة على القيادة. إن ضمان وجود الطالبات في مواقع صنع القرار، حتى وإن كانت قواعدهن المناطقية أو العشائرية ضعيفة، سيشجعهن على الانخراط الفعال في النشاطات العامة، ويكسر حاجز التردد لديهن، مما يغني العمل الطلابي بنصفه الآخر الأقدر على طرح قضايا نوعية.تقليص القوائم العامة (22%): التحول نحو البرامجية والعمل المحليوفي محور آخر، يبرز تقليص نسبة مقاعد القوائم العامة بنحو 22% وتغيير معايير توزيع المقاعد في الكليات كخطوة نحو "توطين" العمل الطلابي. هذا الإجراء يحمل في طياته عدة أبعاد استراتيجية:البرامج المبتكرة: سيدفع هذا التقليص الكتل الطلابية إلى التخلي عن الشعارات الفضفاضة والعامة، والاتجاه نحو صياغة برامج انتخابية واقعية تلامس احتياجات الطلبة داخل كلياتهم ومختبراتهم بشكل مباشر.تعزيز التنافسية: ستتجه الكتل للبحث عن مرشحين يمتلكون شعبية حقيقية مبنية على الخدمات الملموسة والكفاءة الشخصية على مستوى الكلية والجامعة، مما يرفع من سوية العمل النقابي.الحد من الهيمنة: تساهم هذه التعديلات في تقليل هيمنة التكتلات الكبيرة "العابرة للكليات" لصالح توسيع قاعدة التمثيل الطلابي وتكافؤ الفرص، مما يخلق توازناً صحياً بين العمل الحزبي والسياسي وبين التمثيل الأكاديمي الصرف.في النهاية إن هذه التعديلات في مجملها ليست مجرد إجراءات تنظيمية، بل هي محاولة لخلق بيئة تتفاعل فيها مختلف التخصصات والاذواق. إنها دعوة لتشكيل كتل طلابية أكثر شمولية، وبرامج انتخابية متنوعة تستوعب الجميع. إن الهدف النهائي هو الوصول إلى اتحاد طلبة يمثل "العقل الطلابي" بكل تلاوينه، ويحقق التوازن المنشود بين الحق في الانتخاب وواجب التميز والكفاءة.العزام يكتب: اتحاد طلبة الجامعة الأردنية.. نحو موازنة استراتيجية بين 'شرعية الصندوق' و'معايير الكفاءة
عمار العزام
طالب علوم سياسية
العزام يكتب: اتحاد طلبة الجامعة الأردنية.. نحو موازنة استراتيجية بين 'شرعية الصندوق' و'معايير الكفاءة
عمار العزام
طالب علوم سياسية
طالب علوم سياسية
مدار الساعة ـ