أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

مسرح الجريمة :: قصة قصيرة

مدار الساعة,أخبار ثقافية
مدار الساعة ـ
حجم الخط

كتبت زهراء بن الزوهرة (محراب الحروف):

ساد الصمت بعد عودة الضوء ، لكنه كان صمتا محشوا بالخوف . وقفت وسط القاعة ، أنظر إلى جثة "سليم" الممددة ، ثم التفت إلى الحاضرين الثلاثة الذين تسمروا في أماكنهم .

أنا : ( بصوت هادئ ومريب ) " مبنى مغلق ، أبواب موصدة ، وساعة توقفت في اللحظة التي عاد فيها الضوء .. القاتل لم يخرج من هذه الغرفة ، وهو الآن يتنفس معنا نفس الهواء . "

السكرتير : ( يرتجف ويعدل نظارته ) " أنا .. أنا لم أتحرك ! عندما انقطع التيار ، حاولت الوصول لمفتاح الطوارئ خلف الضحية ، لكنني تعثرت بسلك الهاتف وسقطت . "

أنا : " تعثرت ؟ غريب .. ملابسك مرتبة جدا لشخص سقط أرضا في الظلام الدامس . وماذا عنك أيتها المحامية ؟ "

المحامية : ( ببرود وهي تلملم أوراقها ) " كنت في مكاني ، متمسكة بحقيبتي . سليم كان عميلي ، وموته خسارة لي .. لا أملك سببا لقتله . "

أنا : " خسارة ؟ بل ربما ربح ! فقد سمعت أن سليم كان ينوي تغيير وصيته غدا ، وأنت المستفيدة الوحيدة من بقاء النسخة القديمة . "

منصور ( الشريك ) : ( مقاطعا بغضب مصطنع ) " كفى تخريفا ! الرجل مات بنوبة قلبية من هول الظلام ، كوب القهوة سقط والأوراق تبعثرت .. إنه حادث . "

أنا : ( أقترب من منصور ببطء ) " حادث يا منصور ؟ القهوة المقلوبة على الطاولة لم تبتل بها الأوراق المتناثرة .. أتعرف لماذا ؟ لأن الأوراق رميت بعد أن سكبت القهوة وجفت قليلا . لقد استغللت الدقائق الثلاث من الظلام لتبحث عن شيء ما .. أليس كذلك ؟ "

منصور : ( يتلعثم ) " كنت .. كنت أبحث عن هاتفي لأضيء الكشاف ! "

أنا : " كاذب ! لو أضأت الكشاف لرأته المحامية والسكرتير . أنت كنت تبحث عن ' عقد الشراكة ' . وبما أنك لم تجده في الظلام ، وضعت السم في كوبه وانتظرت . لكنك ارتكبت خطأ فادحا .. ذلك الخاتم الذي ترتديه . "

منصور : " ما به خاتمي ؟ إنه مجرد زينة ! "

أنا : " إنه مغناطيس احترافي ، أليس كذلك ؟ استخدمته لتعطيل عقارب ساعة سليم في اللحظة التي عاد فيها الضوء ، لتوهمنا أن زمن الوفاة كان ' وقت الانقطاع ' بينما هو مات قبل ذلك بوقتا طويل . انظروا .. الساعة في معصم الضحية تشير للعاشرة تماما ، وساعتك أنت يا منصور متوقفة عند نفس اللحظة ! "

هنا ، انهار منصور تماما ، سقط على كرسيه وبدأ يرتجف بجنون ، والدموع تنهمر من عينيه وهو يصرخ بانهيار هز أركان الغرفة : " نعم ! نعم أنا من قتله ! لقد استنزفني .. كان سيسلبني شقاء عمري ويطردني من الإمبراطورية التي بنيناها معا ! لم أكن أريد ذلك ، لكنه لم يترك لي خيارا .. نعم ، أنا من وضع السم ! "

ساد الصمت لثوان ، ودخل رجال الشرطة ليأخذوا منصور المنهار الذي كان يصرخ طالبا المغفرة . الجميع في الغرفة بدأوا يبكون بتأثر ، والسكرتير والمحامية انشغلوا بمواساة بعضهم وبالنظر إلى منصور وهو يسحل للخارج .

في هذه اللحظة ، اقتربت من جثة سليم ، انحنيت نحوه بحيث لا يراني أحد ، وهمست في أذنه بصوت تقشعر له الأبدان : " نعم يا صديقي .. المحقق الذي وثقت به هو من أنهى حكايتك . منصور وضع السم ، لكنك لم تشربه .. أنا من استغل الظلام لأغرز الإبرة في عنقك بلمسة محترفة بينما كان منصور يتخبط عند الطاولة .

أظننت أنني سأبتلع غصة غدرك وأصفح ؟ لقد تلاعبت بعروق قلبها حتى صيرتها أسيرة لهواك ، تبا لك ! انظر إليها الآن .. حتى وأنت جثة باردة ، ترفض فك قيدها منك ، ترقبك كأنك ما زلت إلهها الوحيد . كنت أظن أن الموت سيحررها ، لكن يا لسخرية القدر .. أهديتك الردى بيدي وما زالت روحها عالقة بطرف كفنك .

أهكذا تصان العهود يا ' صديقي ' ؟ خنت الميثاق وسرقت من بين أضلعي ليلى .. النسمة التي كنت أتنفسها . لم تكفك سرقتها ، بل وقفت أمام بؤسي لتنفث سمك ببرود : ' سأتزوج بها ' .. كنت تغرس الخنجر في صدري وتفتله بيدك لتستلذ بقهري . لماذا يا صديقي ؟ أخبرتك أولا أنني متيم بها ، أنني أهيم في حبها .. فجئت أنت لتخطفها من عالمي . هل أسميت هذا الغدر صداقة ؟ هل جئت لتبشرني أم لتميتني كمدا وأنا أراكما معا ؟

لقد أهدرت دمي يوم اغتلت نبضي بكلماتك ، فكان رحيلك القصاص الوحيد الذي يشفي غليلي . منصور ؟ فليتعفن في زنزانته بذنبي ، أما أنا .. ' المحقق الوفي ' .. سأبقى وحدي لأواسي ليلى ، وسأنتزع طيفك من مسامها ولو اضطررت لحرق كل خلية في قلبها تذكرك بك . لقد انتهيت أنت .. وبدأت شريعتي .

لكن فجأة ، سمعت صوتا من الخلف .. كانت المحامية " ليلى " تقف خلفي تماما ، تحمل هاتفها الذي كان يسجل كل حرف .

ليلى : ( بصوت يرتجف من الصدمة ) " إنه التسجيل .. لقد سجلت اعترافك الحقيقي يا ' صديق العمر ' . منصور بريء من القتل ، وأنت هو الشيطان . "

تحولت ملامحي في لحظة ، هجمت عليها كالوحش الكاسر ، عيناي جحظتا وبدأت أرتجف بهستيريا أكثر من منصور : " نعم ! أنا من قتله ! لقد أخذك مني ! نعم أخذك مني ولا تحاولي الهرب .. أنت لي ! لا تهربي .. أنت ملكي أنا ! "

بدأت ألامس وجهها بيد مرتعشة ومجنونة ، وهي تصرخ وتتراجع ، والشرطة التي كانت بالخارج سمعت التسجيل عبر " اللاسلكي " المفتوح ، فاقتحموا المكان وصدمتهم كانت لا توصف . ارتموا علي جميعا ليأخذوني ، بينما ركضت ليلى لتعانق منصور المظلوم وهي تبكي وتعتذر له .

نظرت إليهم ببرود والجنون يتراقص في عيني وقلت : " في المغرب ، ' حبل الكذب قصير ' .. لكن قلبي كان أقصر صبرا من حبالكم . "

خرجت مكبلا ، تاركا خلفي رائحة الدم واللوز المر .. وحقيقة أن الصداقة كانت مجرد وهم في قلبي المكسور .


مدار الساعة ـ