أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جاهات واعراس جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

شطناوي يكتب: الشباب في قلب المعادلة.. قراءة في كلمة ولي العهد

مدار الساعة,مناسبات أردنية,ولي العهد,الحسين بن عبدالله الثاني,خدمة العلم
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة - كتب أ.د. نورس شطناوي -

جاءت كلمة سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني خلال حفل تخريج الدفعة الأولى من مكلفي خدمة العلم لعام ٢٠٢٦ محمّلة بدلالات تتجاوز إطار المناسبة الاحتفالية، لتؤسس لخطاب وطني يعيد تعريف العلاقة بين الشباب والدولة، وبين الواجب والانتماء. ولم تكن الكلمات مجرد تهنئة عابرة، بل بدت أقرب إلى بيان سياسي واجتماعي يعكس رؤية الدولة الأردنية لدور الجيل الجديد في مرحلة إقليمية دقيقة. في مستهل الكلمة، برز التأكيد على قيمة الانضباط كمدخل لبناء الشخصية الوطنية. وهذا الطرح ليس جديداً في الأدبيات الرسمية، غير أن توقيته اليوم يحمل دلالة خاصة، إذ يأتي في ظل تحولات اجتماعية واقتصادية تتطلب إعادة ترسيخ مفهوم المسؤولية الفردية. ومن هنا، فإن الإشادة بمخرجات برنامج خدمة العلم لم تكن فقط إشادة بالجهد العسكري، بل كانت تأكيداً على نجاح نموذج يوازن بين التأهيل المهني وتعزيز روح الالتزام.

ثم ينتقل الخطاب، بسلاسة، إلى محور الانتماء، حيث يربط سموه بين خدمة العلم وتعميق الهوية الوطنية. وفي هذا السياق، تتجلى رؤية واضحة مفادها أن الانتماء لا يُبنى بالشعارات، بل بالممارسة اليومية، وبالاستعداد لتحمل الأعباء. ولعل أبرز ما يُقرأ بين السطور هو محاولة إعادة الاعتبار لفكرة المواطنة الفاعلة، التي تتطلب مشاركة حقيقية في بناء الدولة، لا الاكتفاء بمراقبتها أو انتقادها. وعلاوة على ذلك، حملت الكلمة بعداً اقتصادياً غير مباشر، حين أشار سموه إلى أهمية المهارات التي اكتسبها الخريجون. فخدمة العلم، وفق هذا الطرح، ليست مجرد تدريب عسكري، بل منصة لإعداد كوادر قادرة على الانخراط في سوق العمل. وهنا، تتقاطع الرسالة مع أولويات الدولة في تقليص البطالة ورفع كفاءة الشباب، ما يجعل البرنامج أداة مزدوجة: أمنية وتنموية في آن واحد.

من زاوية أخرى، لا يمكن إغفال البعد الرمزي للمناسبة، إذ تعكس عودة خدمة العلم بصيغتها الحديثة إدراكاً رسمياً لأهمية الاستثمار في الشباب كخط دفاع أول، ليس فقط عسكرياً، بل فكرياً واجتماعياً. ولذلك، فإن حضور سمو ولي العهد وإلقاءه لهذه الكلمة تحديداً يبعث برسالة واضحة مفادها أن ملف الشباب يحتل موقعاً مركزياً في أجندة القيادة. وفي السياق ذاته، تتسم لغة الخطاب بالواقعية، بعيداً عن المبالغة أو الخطاب العاطفي الزائد. فبدلاً من الاكتفاء بالمديح، جاء الحديث مباشراً، يضع الشباب أمام مسؤولياتهم، ويؤكد أن التحديات القادمة تتطلب جهداً أكبر، وانخراطاً أعمق في الشأن العام. وهذه الصراحة، وإن بدت قاسية للبعض، إلا أنها تعكس نضجاً في الخطاب السياسي، يقوم على المصارحة لا المجاملة.

ختاماً، يمكن القول إن كلمة سمو ولي العهد لم تكن مجرد محطة بروتوكولية، بل شكلت إطاراً فكرياً متكاملاً لفهم دور خدمة العلم في المرحلة المقبلة. فهي، من جهة، تعيد صياغة مفهوم الخدمة الوطنية، ومن جهة أخرى، تضع الشباب في قلب معادلة الاستقرار والتنمية. وبين هذا وذاك، يبقى الرهان الحقيقي على قدرة هذه الرسائل على التحول من خطاب إلى ممارسة، ومن رؤية إلى واقع ملموس.


مدار الساعة ـ