أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

نمط الحياة والصحة النفسية والجسدية: التوعية وخدمة المجتمع


د. زيد احسان الخوالدة
جامعة عمّان الأهلية

نمط الحياة والصحة النفسية والجسدية: التوعية وخدمة المجتمع

د. زيد احسان الخوالدة
د. زيد احسان الخوالدة
جامعة عمّان الأهلية
مدار الساعة ـ

يأتي هذا الطرح في سياق دور الجامعة في خدمة المجتمع من خلال تعزيز الوعي الصحي والنفسي القائم على أسس علمية وإكلينيكية، بما يعكس أهمية علم النفس الإكلينيكي بوصفه أحد المحاور الرئيسة في فهم الصحة الشاملة، ويدعم تبنّي أنماط حياة وقائية تسهم – بعون الله – في رفع مستوى الصحة العامة والنفسية، والحد من احتمالية المرض، وتقليل الجهد والوقت المبذول في مكافحته.

تنطلق الصحة من توازن المنظومة النفسية–العصبية–الهرمونية (Psycho-Neuro-Endocrine Axis)، إذ تؤثر الحالة النفسية المزمنة – خاصة الضغوط والقلق – في نشاط الجهاز العصبي الذاتي ومحور الوطاء–النخامى–الكظر (HPA Axis)، بما ينعكس على إفراز الكورتيزول، ووظائف المناعة، والاستجابات الالتهابية. ومن المنظور الإكلينيكي، فإن هذه التفاعلات لا تُفهم فقط بوصفها استجابات بيولوجية، بل بوصفها انعكاسًا لأنماط التفكير، والتنظيم الانفعالي، وآليات التكيف، ما يجعل التدخل النفسي المبني على الدليل عنصرًا جوهريًا في الوقاية والعلاج.

وفي هذا الإطار، يبرز مفهوم “الصيام” بوصفه تدخلًا تنظيميًا متعدد الأبعاد؛ فهناك الصيام الشرعي الديني بما يحمله من أثر سلوكي وروحي في ضبط الإيقاع اليومي والانفعالات، وهناك الصيام الغذائي الانتقائي الذي يستهدف تقليل التعرض لبعض المأكولات المرتبطة بالاستجابة الالتهابية، إضافة إلى الصيام المتقطع القائم على تنظيم النوافذ الزمنية لتناول الطعام، وما يرتبط به من تأثيرات على التمثيل الغذائي وحساسية الإنسولين. ومن منظور نفسي إكلينيكي، فإن هذه الأنماط تسهم في تعزيز ضبط الذات (Self-Regulation) وتقليل الاندفاعية وتحسين العلاقة مع السلوك الغذائي.

ومع التحولات الرقمية المتسارعة، برز نمط حديث يمكن توصيفه بـ“الصيام الإلكتروني”، أي تقنين استخدام الأجهزة الذكية، حيث ارتبط الإفراط في استخدامها بارتفاع معدلات القلق والاكتئاب واضطرابات النوم، نتيجة فرط الاستثارة العصبية وتأثيرها في إيقاع النوم واليقظة. وهنا يتضح دور التقييم والتدخل النفسي الإكلينيكي في إعادة تنظيم السلوكيات الرقمية ضمن إطار صحي متوازن.

ومع ذلك، فإن هذه المقاربات لا تُغني عن الطب المبني على الدليل، ولا عن التدخلات الدوائية أو الجراحية عند الحاجة، بل تُفهم ضمن نموذج تكاملي حيوي–نفسي–اجتماعي (Biopsychosocial Model)، حيث يشكّل علم النفس الإكلينيكي ركيزة أساسية في الربط بين الأبعاد النفسية والجسدية ضمن منظومة العلاج.

كما يشكّل النشاط البدني المنتظم – لا سيما التمارين الهوائية متوسطة الشدة كالمشي السريع – عاملًا مثبتًا في تحسين اللياقة القلبية التنفسية، وخفض مؤشرات الالتهاب، وتعزيز الصحة النفسية عبر تعديل النواقل العصبية. ويقابل ذلك ضرورة ترشيد السلوكيات الضارة، مثل التدخين، والإفراط في الكافيين، واضطراب أنماط النوم، وهي سلوكيات يتعامل معها علم النفس الإكلينيكي من خلال استراتيجيات تعديل السلوك والعلاج المعرفي.

ومن هنا تبرز “رعاية الذات المتخصصة” بوصفها ممارسة قائمة على التقييم الإكلينيكي والتوجيه المهني، وتشمل تنظيم نمط الحياة، وتحسين جودة الغذاء، وضبط الانفعالات، وتنمية مهارات التكيف وحل المشكلات. كما تُعد مراجعة الأخصائي النفسي الإكلينيكي من الأهمية بمكان، ليس فقط عند ظهور الاضطراب، بل كإجراء وقائي معزز للصحة النفسية والجسدية، إذ تستند هذه الممارسة إلى منهجيات تقييم وتدخل مبنية على الدليل، تسهم في تحسين جودة الحياة والحد من تفاقم الاضطرابات.

وفي ظل هذه السياقات الوقائية، يتمتع الإنسان – بعون الله – بمستوى أعلى من الصحة، يقلّل من احتمالية التعرض للأمراض، ويحدّ من الجهد والوقت المبذول في مكافحتها. وفي حال حدوث اضطراب نفسي أو عضوي، تكون حدّته وآثاره أقل، وتسهم هذه الممارسات ونمط الحياة الصحي، المدعوم بالتدخل الإكلينيكي، في تعزيز التعافي وتحسين الحالة النفسية والجسدية.

وخلاصة القول:

إن الصحة ليست نتاج عامل أحادي، بل حصيلة تفاعل منظم بين البنية النفسية، والسلوك الغذائي، والنشاط البدني، والوعي الطبي؛ حيث يشكّل علم النفس الإكلينيكي أحد الأعمدة الأساسية في هذا التوازن، ويغدو دوره أكثر أهمية في إطار خدمة المجتمع من خلال نشر الوعي، وتعزيز الوقاية، وتقديم تدخلات علمية تسهم في بناء إنسان أكثر اتزانًا وجودة حياة أفضل.

مدار الساعة ـ