تُعد مسألة حضانة الأطفال من أكثر القضايا حساسية وتعقيدًا في القضاء الشرعي الأردني، لما تنطوي عليه من توازن دقيق بين حقوق الوالدين، ومصلحة المحضون باعتبارها المعيار الأعلى الذي يجب أن يُحتكم إليه.
وقد عالج قانون الأحوال الشخصية الأردني هذه المسألة بنصوص واضحة، إلا أن التطبيق العملي يفتح بابًا واسعًا للاجتهاد القضائي، خاصة عندما يبلغ الطفل سن الخامسة عشرة.? أولًا: الإطار القانوني للحضانة بعد سن 15نصت المادة (170) من قانون الأحوال الشخصية الأردني رقم (15) لسنة 2019 على أن:“تنتهي حضانة النساء ببلوغ المحضون خمس عشرة سنة من عمره، ويُخيَّر بعدها بين أبويه إن كان عاقلًا، على أن تُراعى مصلحته في ذلك.”هذا النص يُظهر بوضوح أن المشرّع الأردني لم يجعل انتقال الحضانة تلقائيًا إلى الأب، بل أعطى للمحضون حق الاختيار، وهو ما يعكس تطورًا مهمًا في مراعاة إرادة الطفل.? ثانيًا: هل يُؤخذ برأي الطفل؟الإجابة القانونية: نعم، ولكن بشروط.فالمحكمة لا تكتفي بمجرد تصريح الطفل، بل تتحقق من:* مدى إدراكه ووعيه* خلو إرادته من التأثير أو الإكراه* توافق اختياره مع مصلحته الفضلىوهنا يظهر دور القاضي الشرعي، الذي لا يكون مجرد ناقل لرغبة المحضون، بل رقيبًا عليها، يوازن بين الاختيار والمصلحة.? ثالثًا: اجتهادات القضاء الشرعياستقر الاجتهاد القضائي في المحاكم الشرعية الأردنية على أن:* مصلحة المحضون مقدمة على حق الأب أو الأم* تخيير الطفل ليس حقًا مطلقًا، بل مقيد بالمصلحة* يمكن للمحكمة مخالفة رغبة الطفل إذا ثبت أنها تضر بهوفي العديد من الأحكام، رفضت المحاكم نقل الحضانة رغم اختيار الطفل، إذا تبين أن البيئة المختارة لا تحقق له الاستقرار النفسي أو التربوي.? رابعًا: بين النص والتطبيقرغم وضوح النص القانوني، إلا أن الواقع العملي يكشف عن تحديات، منها:* تأثير أحد الوالدين على إرادة الطفل* صعوبة تقدير “المصلحة الفضلى” بشكل موضوعي* اختلاف التقدير من قاضٍ لآخروهذا ما يجعل من قضايا الحضانة بعد سن 15 من أكثر القضايا التي تعتمد على السلطة التقديرية للقاضي.? خامسًا: قراءة قانونية إنسانيةإن الطفل في هذه المرحلة العمرية لا يحتاج فقط إلى من يختاره، بل إلى من يحميه من تبعات هذا الاختيار.فالقانون لم يمنحه الحرية المطلقة، بل منحه “حرية محروسة” برقابة القضاء، لضمان ألا يتحول حق الاختيار إلى عبء نفسي عليه.? خاتمةيبقى التحدي الحقيقي أمام القضاء الشرعي الأردني هو تحقيق التوازن بين نصوص القانون وروح العدالة، بحيث لا يكون الطفل محل نزاع، بل محور حماية.فالحضانة ليست حقًا للأبوين بقدر ما هي حق للمحضون، ومتى تعارضت الحقوق، قُدِّمت مصلحة الطفل فوق كل اعتبار.—رسالة قانونية:ليس كل ما يختاره الطفل هو الأصلح له، ولكن كل ما هو أصلحالنجار تكتب: حضانة الأطفال بعد سن الخامسة عشرة.. بين مصلحة المحضون وحق الأب
مدار الساعة ـ