في لحظةٍ إقليميّةٍ مُعقَّدةٍ، تتقاطعُ فيها الأزماتُ، وتتسارعُ فيها التّحوّلاتُ، يأتي الاحتفالُ بيومِ العَلَمِ في الأُردنِّ، ليس بوصفِهِ مناسبةً بروتوكوليّةً عابرةً، بل كحالةِ وعيٍ وطنيّةٍ متجدّدةٍ متجذِّرةٍ، تُؤكِّدُ أنَّ هذا الوطنَ، رغمَ كلِّ ما يُحيطُ به، يمضي بثباتٍ راسخٍ، مُستندًا إلى جذورٍ عميقةٍ من الاستقرارِ والقدرةِ على التكيُّفِ، وإلى نهجٍ واضحٍ في إدارةِ التحدّياتِ، دونَ التفريطِ بالثوابتِ، وبقيادةٍ حكيمةٍ حريصةٍ على ممارسةِ دورِها القوميِّ والإنسانيِّ بكفاءةٍ واقتدارٍ.
فالأُردنُّ، وهو يقفُ في قلبِ إقليمٍ مُضطربٍ، لم يكن يومًا دولةَ ردِّ فعلٍ، بل دولةَ مبادرةٍ واتزانٍ؛ تُحسنُ قراءةَ المشهدِ، وتتعامَلُ معه بعقلانيّةٍ ومسؤوليّةٍ، واضعةً مصلحةَ الوطنِ وأمنَهُ فوقَ كلِّ اعتبارٍ.ومن هنا، فإنَّ الاحتفالَ بالعَلَمِ ورفعَهُ خفّاقًا فوقَ الهاماتِ والجباهِ، في هذا التوقيتِ تحديدًا، يحملُ دلالاتٍ تتجاوزُ الرمزَ، ليغدو تأكيدًا حيًّا على قوّةِ الدولةِ، وتماسكِ مؤسّساتِها، ووحدةِ شعبِها حولَ ثوابِتِها الوطنيّةِ.وفي هذا السِّياقِ، لا يمكنُ فصلُ دلالةِ يومِ العَلَمِ عن الحاجةِ المتزايدةِ لترسيخِ قيمِ المواطنةِ لدى الأجيالِ الصّاعدةِ، في مختلفِ مناطقِ الأُردنِّ، من شمالِهِ إلى جنوبِهِ، ومن شرقِهِ إلى غربِهِ، ومن بواديهِ إلى قُراهُ ومدنِهِ. فالمواطنةُ اليومَ لم تَعُد مفهومًا نظريًّا يُتداوَلُ في الخطاباتِ والمجالسِ، بل هي مسؤوليّةٌ عمليّةٌ تتطلّبُ بناءَ وعيٍ حقيقيٍّ لدى الشّبابِ والأطفالِ، يقومُ على الانتماءِ، والالتزامِ، والإدراكِ العميقِ لدورِهِم في حمايةِ مُنجزاتِ الوطنِ، وصونِ استقرارِهِ، والحفاظِ على رموزِهِ.إنَّ الاستثمارَ في هذا الجيلِ، عبرَ تعزيزِ ارتباطِهِ برموزِ الدولةِ، وفي مقدِّمتِها العَلَمُ، هو استثمارٌ في المستقبلِ ذاتِهِ.فحينَ يكبرُ الطّفلُ حاملًا علمَ وطنِهِ، ومدركًا أنَّ هذا العَلَمَ ليس مجرّدَ ألوانٍ، بل تاريخٌ وتضحياتٌ وهويّةٌ وقيمٌ، فإنَّهُ ينشأُ مواطنًا أكثرَ وعيًا، وأكثرَ قدرةً على التمييزِ بينَ البناءِ والهدمِ، وبينَ الانتماءِ الحقيقيِّ والانجرافِ خلفَ خطابِ التجييشِ والتشكيكِ والكراهيةِ؛ ليندمجَ في الشأنِ الوطنيِّ، ويكبرَ فيه الأُردنُّ كما يكبرُ هو كلَّ يومٍ.وحينَ يتقدَّمُ الشّبابُ بفكرِهِم وعملِهِم وهمّتِهِم، حاملينَ همَّ الوطنِ وقضاياهُ، وساعينَ لخدمةِ الأُردنِّ في كلِّ ميدانٍ من ميادينِ الرّجولةِ والعملِ والتنميةِ، وأينما كانوا داخلَ الأُردنِّ وخارجَهُ، مُخلصينَ في القولِ والنهجِ، ومؤمنينَ بوطنِهِم وبأنفسِهِم، فإنَّ راياتِنا ستظلُّ الأطهرَ والأغلى.وهنا لا بُدَّ من الإشارةِ إلى كونِ ما يُميّزُ الأُردنَّ هو منظومةُ القيمِ التي تشكَّلت عبرَ عقودٍ، وعزَّزتْها قيادةٌ هاشميّةٌ حملتْ على عاتقِها مسؤوليّةَ التوازنِ بينَ الثباتِ والتحديثِ، وبينَ الحفاظِ على الهويّةِ والانفتاحِ على العالمِ. وهذه القيادةُ لم تتعامَلْ مع التحدّياتِ بمنطقِ الشِّعاراتِ، بل بمنهجِ عملٍ قائمٍ على الحكمةِ، والتدرّجِ، والاقترابِ من نبضِ الناسِ؛ ما أسهمَ في ترسيخِ حالةٍ من الاستقرارِ الوطنيِّ والاندماجِ المجتمعيِّ، وهي اليومَ إحدى أبرزِ نقاطِ القوّةِ في الدولةِ الأُردنيّةِ.إنَّ الحديثَ عن يومِ العَلَمِ، في ظلِّ هذه الظروفِ، هو في جوهرِهِ حديثٌ عن الدولةِ نفسِها: عن قدرتِها على الاستمرارِ في مشروعِها، وعن وعيِ مجتمعِها، وعن مسؤوليّةِ مؤسّساتِها العسكريّةِ والأمنيّةِ والمدنيّةِ، وعن دورِ كلِّ فردٍ فيها.وهو أيضًا تذكيرٌ بأنَّ الحفاظَ على هذا الاستقرارِ لا يتحقّقُ بالشِّعاراتِ وحدَها، بل بالفعلِ اليوميِّ، وبالوعيِ الجمعيِّ، وبالانتماءِ الذي يُترجَمُ إلى سلوكٍ.وفي المُحصِّلةِ، فإنَّ يومَ العَلَمِ ليس مجرّدَ مناسبةٍ نرفعُ فيها الرايةَ، بل محطّةٌ نُجدِّدُ فيها العهدَ مع الوطنِ والقيادةِ، ونُؤكِّدُ فيها أنَّ الأُردنَّ، بقيادتِهِ وشعبِهِ، سيبقى قويًّا، متماسكًا، وقادرًا على تحويلِ التحدّياتِ إلى فُرصٍ، ما دام هذا العَلَمُ حاضرًا في الوجدانِ، راسخًا في السلوكِ، وممتدًّا في وعيِ الأجيالِ.الناصر يكتب: يومُ العَلَمِ.. حينَ يسمو الرَّمزُ في زمنِ التحدّياتِ
مدار الساعة ـ
