أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

أمريكا حسمت الأمر عسكرياً مع إيران، فهل ستحسمها سياسياً؟


د. عبدالله الخصاونة
خبير وباحث في الشأن العام

أمريكا حسمت الأمر عسكرياً مع إيران، فهل ستحسمها سياسياً؟

د. عبدالله الخصاونة
د. عبدالله الخصاونة
خبير وباحث في الشأن العام
مدار الساعة ـ

في زمنٍ تتداخل فيه خطوط النار مع خرائط الدبلوماسية، لم يعد الصراع بين الولايات المتحدة وإيران مجرّد تنافسٍ إقليمي عابر، بل غدا اختباراً لإرادة الهيمنة ومآلات التوازن الدولي. وإذا كان البعض يرى أن واشنطن قد حسمت – أو كادت – المواجهة عسكرياً عبر تفوقها التكنولوجي، وانتشارها العسكري، وشبكة تحالفاتها الممتدة، فإن السؤال الأعمق يظل قائماً: هل تستطيع أن تحسم هذا الصراع سياسياً؟

لقد أثبتت التجارب أن الحسم العسكري، مهما بلغ من القوة، لا يكفي لصناعة نصرٍ دائم. فكم من معركةٍ كُسبت في الميدان وخُسرت في دهاليز السياسة. إن إيران، رغم الضغوط والعقوبات، لم تنكفئ، بل أعادت تشكيل أدواتها، معتمدةً على مزيجٍ من النفوذ الإقليمي، والحرب غير التقليدية، والرهان على الزمن. وهنا تكمن معضلة القرار الأمريكي؛ إذ لا يمكن ترجمة التفوق العسكري إلى استقرار سياسي دون رؤيةٍ شاملة تُراعي تعقيدات المنطقة وتشابك مصالحها.

إن الحسم السياسي لا يُبنى على الإكراه وحده، بل يحتاج إلى هندسة دقيقة للتوازنات، وإلى قدرة على احتواء الخصم أو إعادة تعريف العلاقة معه. وقد أثبت التاريخ أن الأمم لا تُدار بالقوة المجردة، بل بمزيجٍ من القوة والشرعية والقبول الدولي. وفي هذا السياق، فإن أي محاولة أمريكية لفرض واقع سياسي جديد دون توافقات حقيقية قد تُفضي إلى دوراتٍ جديدة من التوتر، وربما إلى صراعاتٍ أشد تعقيداً.

ثم إن المشهد الدولي اليوم لم يعد أحادي القطبية كما كان في العقود الماضية؛ فصعود قوى أخرى، وتراجع القدرة على فرض الإملاءات، يجعل من الحسم السياسي مهمة أكثر تعقيداً. كما أن الداخل الأمريكي ذاته بات أكثر حذراً من الانخراط في صراعاتٍ مفتوحة، مما يفرض على صانع القرار البحث عن حلولٍ أقل كلفة وأكثر استدامة.

وعليه، فإن السؤال لم يعد: هل تستطيع أمريكا أن تحسم سياسياً؟ بل: بأي ثمن، وبأي صيغة؟ هل سيكون الحسم عبر تفاهماتٍ جديدة تعيد رسم قواعد الاشتباك، أم عبر استمرار سياسة الضغط حتى إنهاك الخصم؟ أم أن المنطقة مقبلة على نموذجٍ هجين، لا غالب فيه ولا مغلوب، بل توازنٌ هشّ يُدار بالأزمات؟

في نهاية المطاف، يبقى الحسم السياسي أكثر تعقيداً من الحسم العسكري، لأنه يتطلب انتصاراً في العقول قبل الميادين، وفي الشرعية قبل القوة. وبين هذا وذاك، تظل المنطقة ساحة اختبارٍ مفتوحة، يُعاد فيها رسم التاريخ، لا بالسلاح وحده، بل بالكلمة والقرار.

مدار الساعة ـ