أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

عريفج يكتب: مصلحة نتنياهو في عرقلة الهدنة


المحامي هيثم عريفج

عريفج يكتب: مصلحة نتنياهو في عرقلة الهدنة

مدار الساعة ـ

إعلان وقف العمليات العدائية لمدة أسبوعين لم يكن تفصيلًا عابرًا في مشهد الحرب على إيران، بل لحظة سياسية كاشفة. فبمجرد الإعلان عن التهدئة، سارعت دولة الاحتلال إلى تأييدها من حيث المبدأ، لكنها حرصت في الوقت نفسه على القول إن وقف إطلاق النار لا يشمل لبنان. هذا الاستثناء ليس مجرد طرحا عسكريا ، بل إشارة سياسية واضحة إلى أن نتنياهو لا يريد إغلاق باب التصعيد كاملًا، لأنه يدرك أن تثبيت الهدنة، ولو لأسبوعين فقط، سيجعل العودة إلى الحرب على إيران أكثر صعوبة من الناحية السياسية والدبلوماسية وحتى الإعلامية. وقد نقلت وكالات دولية أن الإحتلاا دعم هدنة الأسبوعين مع إيران، لكنه أكد رسميًا أنها لا تشمل لبنان، في وقت ربطت فيه أطراف الوساطة توسيع التهدئة بمسار تفاوضي أوسع.

المشكلة الكبرى بالنسبة لنتنياهو أن هذه الحرب، رغم الكلفة الهائلة والضجيج السياسي الذي رافقها، لم تحقق الأهداف التي رُفعت عند بدايتها. لم يسقط النظام الإيراني، ولم يُعلن وقف البرنامج النووي الإيراني، ولم يُنه البرنامج الصاروخي، ولم تخرج إيران من المعادلة الإقليمية كما أراد . نعم، إيران تضررت بشدة، وخسرت قيادات محورية، وتعرضت لضربات قاسية، لكن الضرر شيء، والهزيمة الاستراتيجية شيء آخر. فمجرد بقاء الدولة الإيرانية متماسكة، وقدرتها على الصمود والدخول في تفاوض من موقع الدولة القائمة لا المنهارة، يعني أن هدف الحسم لم يتحقق، وأن الحرب أخفقت في الوصول الى النتيجة السياسية التي سُوِّقت لها منذ البداية. وتؤكد الساعات الأخيرة أن الهدنة جاءت فيما لا تزال الملفات الجوهرية موضع تفاوض، بما فيها التخصيب والعقوبات والترتيبات الأمنية، وهو ما يثبت أن الحرب لم تُنه هذه الملفات، بل أعادتها إلى طاولة السياسة.

لهذا تبدو الهدنة محرجة لنتنياهو. فالرجل الذي بنى خطابه على منطق الضربة الحاسمة يجد نفسه الآن أمام هدنة مؤقتة ومفاوضات مرتقبة، لا أمام مشهد نصر نهائي. وإذا صمدت التهدئة أسبوعين فعلًا، فإن تبرير استئناف الهجوم على إيران سيصبح أكثر تعقيدًا ، لأن الرأي العام الدولي سيسأل عندها: إذا كانت الحرب قد توقفت وبدأ التفاوض، فما المبرر القانوني والأخلاقي والسياسي للعودة إلى القصف؟ هنا تصبح مصلحة نتنياهو في إبقاء جبهات مشتعلة، أو في توسيع الاستثناءات، أو في طلب شروط جديدة، مفهومة في سياق محاولته منع ترسيخ الهدنة كأمر واقع. فاستثناء لبنان من وقف النار لا يبدو منفصلًا عن هذه الحسابات، بل جزءًا من محاولة الإبقاء على مناخ الحرب قائمًا حتى لا تتحول التهدئة إلى مسار دائم يصعب الانقلاب عليه.

هذه الحرب لم تضع الشرق الأوسط وحده على حافة الخطر، بل وضعت العالم كله أمام لحظة حرجة اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا. فقد أدت المواجهة إلى اضطراب أسواق الطاقة، وهزت سلاسل الإمداد، ورفعت المخاوف من التضخم وتباطؤ النمو، بينما أظهر إعلان الهدنة نفسه حجم الارتياح العالمي بمجرد تراجع خطر التصعيد. فقد تراجعت أسعار النفط وقفزت أسواق آسيوية بعد إعلان الهدنة ، وهو ما يؤكد أن الاقتصاد العالمي كان يتصرف تحت ضغط حرب مفتوحة ومخاطر أوسع على الملاحة والطاقة. كما حذرت تقارير مالية دولية من أن آثار الحرب قد تستمر حتى مع التهدئة بسبب الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الإيرانية وارتفاع كلفة الطاقة والتمويل، فيما اضطرت دول مثل سنغافورة إلى إطلاق حزم دعم بمئات الملايين للتخفيف من آثار الحرب على الأسعار والاقتصاد المحلي.

ومن هنا تتهاوى محاولات تبرير هذه الحرب. فهي لم تُقنع العالم أخلاقيًا، لأن التهديدات العلنية ضد البنية المدنية والسكان، وما رافقها من خطاب تصعيدي، أثارت إدانات واسعة، وصلت إلى حد وصفها بأنها غير مقبولة قانونيًا وأخلاقيًا. ولم تُقنع قانونيًا، لأن التلويح بتدمير مجتمع كامل أو استهداف البنية المدنية لا يمكن تسويقه ضمن إطار شرعية الحرب أو احترام القانون الدولي. ولم تُقنع اقتصاديًا، لأن كلفتها أصابت الأسواق والطاقة والتجارة وسلاسل التوريد وأدخلت دولًا كثيرة في دائرة القلق. ولم تُقنع أمنيًا، لأن النتيجة النهائية لم تكن إنهاء الخطر بحسب تعبير الكيان ، بل نقل المنطقة والعالم إلى مستوى أعلى من عدم اليقين، مع بقاء الملفات الجوهرية بلا حسم. وقد صدرت خلال الأيام الأخيرة انتقادات حادة من شخصيات دينية وسياسية وإعلامية غربية لطبيعة الخطاب العدواني ولما قد ينطوي عليه من انتهاكات خطيرة للقانون الدولي.

لهذا، فإن الخاسر الأكبر من تثبيت الهدنة هو نتنياهو . فالرجل الذي أراد حربًا تؤدي إلى تغيير قواعد اللعبة يجد نفسه أمام نتيجة معاكسة: إيران لم تُهزم، والاقتصاد العالمي اهتز، والشرعية الأخلاقية والقانونية للحرب تآكلت، ومسار التفاوض عاد ليفرض نفسه. وإذا استمرت الهدنة، فسيتحول السؤال من كيف نواصل الحرب؟ إلى لماذا بدأت أصلًا إذا كانت لم تحقق أهدافها؟. وعندها سيصبح نتنياهو في مواجهة حساب داخلي وخارجي معًا: داخليًا لأنه لم يحقق ما وعد به، وخارجيًا لأنه بدا أقرب إلى من يعرقل التسوية لا من يصنع الأمن.

مدار الساعة ـ