حين يعلن الجيش الأردني بوضوح أن الاعتداءات الإيرانية استهدفت منشآت ومواقع حيوية داخل الأراضي الأردنية، فإن الدولة لا تقدم رواية عابرة، ولا تصنع مادة للجدل، ولا تدخل في بازار التفسير على منصات التواصل، بل تضع الحقيقة أمام الناس كما هي، مجردة وواضحة وصريحة. ومع ذلك، يخرج من بيننا من يتعامل مع هذا الإعلان وكأنه بحاجة إلى تصديق إضافي، أو إثبات متكرر، أو مؤتمر صحفي كل ساعة، لا لأن الوقائع ناقصة، بل لأن بعض العقول قررت مسبقًا ألا ترى الدولة إلا من زاوية الشك، وألا تسمع مؤسساتها إلا بعين الارتياب، وألا تمنح جيشها حق الثقة حتى وهو يعلن ما يتعلق بأمن البلاد وسيادتها.
هنا لا يعود السؤال متعلقًا بحجم العدوان فقط، بل بحجم الخلل في الوعي أيضًا. هل بات على الدولة، وهي تواجه أخطار الإقليم ونيران المشاريع المتصارعة، أن تتحمل فوق عبء الحماية عبئًا آخر، هو عبء التبرير الدائم لمن لا يريد أن يقتنع أصلًا؟ وهل صرنا أمام فئة لا يرضيها أن يُعتدى على الأردن فيُقال إنه اعتداء، ولا أن تُستهدف أراضيه فيُقال إنها سيادة منتهكة، إلا إذا جاء ذلك على مقاس أهوائها السياسية، أو انسجم مع اصطفافاتها المسبقة، أو راعى حساسياتها تجاه هذا المشروع أو ذاك؟المشكلة أن بعض الأصوات لا تنطلق من سؤال وطني حقيقي، بل من حسابات شعبوية رخيصة، ترى في كل موقف أردني مناسبة للمزاودة، وفي كل بيان رسمي فرصة للتشكيك، وفي كل لحظة خطر بابًا مفتوحًا لاصطياد التصفيق السهل. هؤلاء لا ينظرون إلى الدولة بوصفها الخيمة الجامعة التي تحمي الجميع، بل بوصفها مادة دائمة للطعون المجانية، وكأن الوطنية عندهم لا تكتمل إلا إذا جرى التشكيك بالجيش، وإرباك الرأي العام، وتغذية الشك في المؤسسات، ثم تقديم ذلك كله على أنه بطولة، أو وعي، أو موقف مقاوم.والحال أن الأردن لا يقف في خندق أحد من المشاريع التي تنهش المنطقة. من يريد أن يفهم الموقف الأردني عليه أن يبدأ من هذه الحقيقة لا من أوهامه. الأردن ليس جزءًا من المشروع الإسرائيلي، كما أنه ليس تابعًا للمشروع الإيراني. الأردن يدرك أنه يتعامل مع مشروعين كلاهما خطر على المنطقة، وكلاهما يتقن العبث بالجغرافيا العربية، وكلاهما ينظر إلى الدول الصغيرة والمتوسطة بوصفها ساحات اختبار أو ممرات نفوذ أو أوراق تفاوض. ولهذا فإن الدولة الأردنية تتحرك سياسيًا ودبلوماسيًا وعسكريًا انطلاقًا من مصلحة الأردن أولًا، لا من رغبات المصفقين لهذا المعسكر أو ذاك.ومن يزعم أن الوقوف بوجه الاعتداء الإيراني على الأردن يعني الاصطفاف مع إسرائيل، فهو إما جاهل بطبيعة الموقف الأردني، أو متعمد لتزويره. فالأردن نفسه كان واضحًا في رفضه السياسات الإسرائيلية، وفي موقفه الصلب من حكومة التطرف هناك، وفي رفض جلالة الملك لقاء بنيامين نتنياهو، بما يحمله ذلك من دلالة سياسية وأخلاقية لا تخطئها العين. وهذه ليست تفصيلة بروتوكولية عابرة، بل تعبير واضح عن أن الأردن لا يساوم على موقفه من المشروع الإسرائيلي، مثلما لا يسكت عن أي مشروع آخر يستهدف أمنه أو يحاول العبث باستقراره. هذه دولة تقف في وجه مشروعين معًا، لا لأنها تبحث عن بطولة لفظية، بل لأنها تدفع كلفة موقعها وموقفها في منطقة تضج بالتوحش السياسي والاستباحة.الأردن، في هذه اللحظة، لا يحتاج إلى من يعلّمه معنى السيادة، ولا إلى من يشرح له كيف تُدار المعركة مع الأخطار المحدقة به. الدولة تعرف ما تقول، والجيش يعرف ما يرصد وما يواجه، والمؤسسات الأمنية تعرف حجم التهديد وطبيعته ومصدره. أما الذين يقفون على أرصفة مواقع التواصل ليمارسوا هواية التشكيك بكل ما هو أردني، فإنهم لا يضيفون وعيًا، ولا يحمون وطنًا، ولا يخدمون قضية، بل يمنحون خصوم الأردن هدية مجانية حين يضربون الثقة الداخلية في لحظة يفترض أنها لحظة تماسك لا تفكك، واصطفاف لا ارتباك، ومسؤولية لا استعراض.الأوطان لا تُدار بالهتاف، ولا تُحمى بالشعارات، ولا تُصان بسيولة المواقف. الأوطان تُحمى بعقول باردة، ومؤسسات يقظة، وجيوش تعرف واجبها، ودول لا تحتاج أن تستأذن أحدًا كي تدافع عن نفسها. ومن هنا، فإن أخطر ما في هذه المرحلة ليس فقط العدوان الخارجي، بل ذلك الصوت النشاز الذي يحاول أن يجعل من الشك عقيدة، ومن المزاودة منهجًا، ومن الشعبوية الزائفة بديلًا عن الموقف الوطني المسؤول. هذا الصوت لا يزعج الدولة بقدر ما يكشف نفسه، لأنه في لحظات الامتحان الكبرى، ينشغل بتوزيع شهادات الوطنية على الناس، بينما تكون الدولة وحدها منشغلة بحماية الأرض والسماء والقرار.في النهاية، لا يحتاج الأردن إلى أن يصرخ كل ساعة ليؤكد أنه مستهدف، ولا إلى أن يبرر كل يوم لماذا يدافع عن سيادته، ولا إلى أن يشرح لكل متشكك أن أمنه ليس مادة للرأي الشخصي. الدولة حين تتكلم في هذا المستوى، فإنها تتكلم من موقع المسؤولية والمعرفة، لا من موقع الانفعال. ومن أراد أن يكون وطنيًا حقًا، فليبدأ من هنا، من الإيمان بأن الأردن ليس ساحة مستباحة لأحد، وأن جيشه ليس طرفًا في نقاش عبثي، وأن الدولة وهي تواجه مشروعين قذرين في الإقليم، لا ينبغي أن تُترك أيضًا لمواجهة المشككين في الداخل وحدها.الحنيطي يكتب: حين يُستهدف الأردن… يخرج المشككون من جحور الشعبوية
معاذ عطاالله الحنيطي
صحفي أردني
صحفي أردني
مدار الساعة ـ