يأتي مسلسل "مولانا" كواحد من أبرز الأعمال الدرامية السورية التي عُرضت في موسم رمضان لعام 2026، حاملاً معه مزيجًا كثيفًا من التشويق النفسي والأسئلة الأخلاقية العميقة. العمل من تأليف لبنى حداد وإخراج سامر البرقاوي، وبطولة تيم حسن إلى جانب نور علي، وقد استطاع منذ حلقاته الأولى أن يلفت الأنظار ويحقق نسب مشاهدة مرتفعة، لما يحمله من حبكة غير تقليدية وطرح فكري متماسك.
تدور أحداث المسلسل حول شخصية "جابر"، الرجل البسيط الذي يهرب من ماضٍ ثقيل بعد أن ارتكب جريمة قتل بدافع الدفاع عن شرف أخته، بعد أن تعرّضت لاعتداء صادم أمام طفليها. هذا الحدث لا يُقدَّم بوصفه مجرد لحظة عنف، بل كجرح نفسي مفتوح يلازم الشخصية، ويدفعها إلى رحلة هروب تتجاوز الجغرافيا لتصل إلى أعماق الذات.في منعطفٍ درامي حاسم، يلتقي جابر بـ"سليم العادل"، الشاب العائد من كندا لتصفية إرث عائلي مرتبط بجدٍّ ذي مكانة شبه مقدسة في قرية حدودية نائية. ومع حادث سير مفاجئ، يجد جابر نفسه أمام فرصة – أو لعنة – انتحال هوية سليم. يصل إلى القرية محاطًا بتوقعات الناس، ليُستقبل بوصفه "مولانا"، الشخصية الروحية التي ينتظر منها الجميع الخلاص والإرشاد.هنا تتجلّى المفارقة الكبرى في العمل: رجل هارب من جريمة، يتحوّل إلى مرجع أخلاقي وديني. ومع مرور الوقت، لا يكتفي جابر بلعب الدور، بل يبدأ في التماهي معه، فيبثّ الأمل في نفوس الناس، ويعيد إليهم القدرة على الصمود، حتى يبدو وكأنه يعيد خلق ذاته من جديد. لكن هذا التحول لا يخلو من التصدّع الداخلي، حيث يبقى الصراع بين الحقيقة والوهم قائمًا، مهددًا بانكشافٍ قد يطيح بكل شيء.ولا يقف المسلسل عند حدود الحكاية الفردية، بل يوسّع دائرته ليطرح أسئلة عن الإيمان والسلطة والمجتمع، خاصة من خلال شخصيات محورية تضيف عمقًا للصراع. ومن أبرز هذه الإضافات عودة الفنان السوري فارس الحلو بعد غيابٍ لافت، مجسدًا شخصية "العقيد كفاح"، الضابط المتسلّط الذي يمثّل الوجه القمعي للسلطة. تأتي هذه الشخصية كمرآة مضادة لـ"مولانا"، إذ تقف على النقيض منه ظاهريًا، لكنها تشترك معه في جوهر السيطرة على الناس، كلٌّ بطريقته.قدّم فارس الحلو أداءً مركّبًا لافتًا، حيث رسم ملامح "الديكتاتور الصغير" بصرامة حادّة ونظرات نافذة، تجمع بين التهديد والبرود، دون أن يخلو أداؤه من لمسات ذكية تميل أحيانًا إلى السخرية الخفيفة، وكأن الشخصية تدرك عبثيتها في لحظات خاطفة. هذا التداخل بين الجدية والكوميديا أضفى على "العقيد كفاح" بعدًا إنسانيًا معقّدًا، وجعل حضوره أحد أبرز عناصر الجذب في العمل.على المستوى الفني، يقدّم تيم حسن أداءً عميقًا، ينجح من خلاله في تجسيد التناقضات النفسية لشخصية جابر/ مولانا، متنقّلًا بين الخوف والقوة، وبين الذنب والرغبة في الخلاص. كما يبرز الإخراج في بناء أجواء بصرية مشحونة تعكس عزلة المكان واضطراب الداخل الإنساني.أما نص لبنى حداد، فيتميّز بقدرته على الموازنة بين التشويق والطرح الفكري، حيث لا يفرض إجابات جاهزة، بل يترك الأسئلة مفتوحة، تتسلّل إلى وعي المشاهد بهدوء وعمق.في المحصلة، لا يُعدّ "مولانا" مجرد حكاية عن انتحال هوية، بل هو عمل درامي يتأمل في هشاشة الحقيقة، وفي قدرة الإنسان على إعادة تشكيل نفسه تحت ضغط الواقع. وهو أيضًا مواجهة بين أشكال مختلفة من السلطة: سلطة الإيمان، وسلطة الخوف، وسلطة الصورة. وبين هذه التوترات، يظل السؤال معلقًا: هل يمكن للإنسان أن ينجو من ماضيه، أم أن الحقيقة، مهما تأخرت، لا بد أن تعود؟مسلسل مولانا: بين القداسة والوهم
الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق
مدار الساعة ـ