بعد مرور شهر تقريباً على الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران اتضح مما لا يدع مجالاً للشك أنها حرب "خاسرة" بالنسبة للولايات المتحدة كما اتضح أن الرئيس الأمريكي لم يرتكب خطأ فحسب في هذه الحرب التي بدأها بتحريض من نتنياهو بل ارتكب في الواقع جملة "أخطاء" من أهمها:
أولاً: أنّه خالف القانون الدولي الذي لا يتيح مهاجمة دولة أخرى إلّا في حالة الدفاع عن النفس، أو بتكليف من الأمم المتحدة وفق البند السابع، وقد أكّد على هذه النقطة ليس فقط القانونيون الموثقون حول العالم، بل حتى حلفاءه في أوروبا حيث كان آخرهم الرئيس الألماني، والواقع أنه قد يغتفر لرئيس دولة صغيرة أن يخالف القانون الدولي، ولكن أن تأتي هذه المخالفة من رئيس دولة عظمى ساهمت في وضع النظام الدولي منذ الحرب العالمية الثانية، كما تُعدّ قيّمة مع الدول الكبرى الأخرى على السلم والأمن الدوليين فهذه مسألة خطيرة حقاً. ثانياً: أنّه خالف توجهات الشعب الأمريكي التي عبّر من خلال الاستطلاعات المتعددة أنه ضد هذه الحرب والحروب الخارجية التي تشنها بعض الإدارات الأمريكية (فيتنام، أفغانستان، العراق...)، تحت حجج واهية ومبررات غير منطقية فمن الذي يصدق أن إيران تشكل خطراً "داهماً" على الولايات المتحدة التي تبعد عنها 6000 ميل، فضلاً عن أن لدى الولايات المتحدة 6000 رأس نووي استراتيجي ناهيك عن الأسلحة الفتاكة والأخرى! ثالثاً: أنّه خالف توجهات حركة (ماجا، لنجعل أمريكا عظيمة مرةً أخرى " MAGA, Make America Great Again") التي دعمته في حملته الانتخابية والتي ترى أنّ الولايات المتحدة يجب أن تركز على نفسها وتطوير إمكاناتها بدلاً من الانخراط فيما كان يسميه ترامب أثناء حملته الانتخابية بـ"الحروب الأبدية"، حيث كان يأمل من وراء هذا "التوقف" عن الحروب في الحصول على جائزة "نوبل" التي حصل عليها من هم أقل منه من الرؤساء الأمريكيين (حسب وجهة نظره) أمثال أوباما وكارتر. رابعاً: إنّه خالف ما تواضع عليه الاستراتيجيون الأمريكيون منذ حرب العراق الكارثية (خسرت فيها الولايات المتحدة 4000 جندي وتريليوني دولار) والتي لخصها "كولن باول" وزير الخارجية الأمريكي (بعد أن كان رئيس هيئة أركان حرب الجيوش الأمريكية) في القواعد الآتية: 1: أنّه يجب عدم خوض الحروب إلّا إذا تم امتلاك "قوة ساحقة" تُجبر الطرف الآخر على الاستسلام بسبب عدم الندية، وهنا نتساءَل هل كانت قوة الولايات المتحدة ساحقة فعلاً في مواجهة الجيوش الإيرانية التي استطاعت الصمود بل والانخراط في "حرب غير متناظرة" ما زالت تشنها بنجاح ضد القوات الأمريكية وحليفتها الإسرائيلية. 2: توفّر استراتيجية خروج واضحة فقد يكون دخول الحرب سهلاً ولكن الخروج أصعب بكثير، فالحرب كما قال أبو الاستراتيجية الحديثة "كلاوزفيتز" هي "مملكة الشكوك" وقد تفرز متغيرات غير محسوبة، ولذا فإنّ امتلاك إستراتيجية خروج واضحة من الحرب لا يقل أهمية عن إستراتيجية الدخول فيها، وإذا دققنا في مجريات الحرب حتى الآن فإنّنا نلاحظ بوضوح أنّ "ترامب" لا يمتلك مثل هذه الاستراتيجية فأحيانا يصدر تهديدات "عرمرمية" لا تُبقي ولا تذْر وأحياناً يميل إلى التفاوض والجنوح نحو التسوية! 3: وجود مصلحة وطنية حيوية من وراء خوض الحرب، وهنا يحق طرح السؤال: ما المصلحة الوطنية الحيوية للولايات المتحدة التي لا تتحقق إلا بالحرب؟ هل هي دفع خطر إيراني وشيك على الولايات المتحدة الذي ادعاه ترامب أمام الكونغرس ولم يصدقه أحد، أم هو في الواقع تحقيق مصلحة إسرائيلية محددة تتطلب تدمير إيران كقوة إقليمية لكي يخلو الجو لإسرائيل وتتمكن من الهيمنة والتحكم في منطقة الشرق الأوسط تمهيداً لإقامة "إسرائيل الكبرى" التي لم ينكرها نتنياهو، والتي عبّر عنها بوضوح "هاكابي" السفير الأمريكي في إسرائيل، والواقع أن هذه الحرب بدأت "بتحريض" من نتنياهو واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة كما قال بوضوح "جو كنت" مدير المركز الوطني الأمريكي لمحاربة الإرهاب حيث استقال من منصبه الرفيع لهذا السبب وهو أن هذه الحرب لم تكن لخدمة مصلحة حيوية أمريكية بل كانت بتحريض من إسرائيل واللوبي الصهيوني في أمريكا لخدمة مصالح إسرائيلية لا تخفى على أحد. 4: تحديد أهداف واضحة للحرب، وفيما يتعلق بهذه الحرب بالذات فقد كانت الأهداف متغيرة فقد بدأت رسمياً بالقضاء على المشروع النووي الإيراني، وكذلك البرنامج الصاروخي وأخيراً تحجيم النفوذ الإيراني في إقليم الشرق الأوسط، ولكن ما حصل فعلاً هو أن أحد أهداف الحرب كان إسقاط النظام من خلال أسلوب "قطع الرأس" (اغتيال المرشد علي خامنئي) وعدد غير قليل من الصف الأول والثاني، ولعلّنا لا نبالغ إذا قلنا بأن أهداف الحرب غير واضحة حتى الآن كي يقول أحد إنّ الحرب انتهت بتحقيق الأهداف.وفي المحصلة فإنّ ترامب لم يرتكب خطأ واحداً بشأن الحرب بالتعاون مع حليفه نتنياهو بل ارتكب عدة أخطاء لم يعانِ نتائجها هو وإسرائيل فقط بل منطقة الخليج العربي والأردن والعالم أجمع (بسبب ارتفاع أسعار الطاقة وما يترتب عليه)، والأمل ما زال معقوداً في أن يتراجع ترامب ويتوقف عند هذا الحد وإلّا فإنّ العالم كله سيقف على قدميه بسبب هذه الحرب الجنونية غير القانونية وغير المُبررة.بطَّاح يكتب: أخطاء قد تُفشل ترامب في حربه على إيران!
مدار الساعة ـ