أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

من الهلال الإيراني إلى القوس العربي...هل تتشكل كرة استقرار عربية؟


الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية رئيس جامعة البلقاء التطبيقية السابق

من الهلال الإيراني إلى القوس العربي...هل تتشكل كرة استقرار عربية؟

الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية رئيس جامعة البلقاء التطبيقية السابق
مدار الساعة ـ

لم يكن الشرق الأوسط، منذ انهيار الدولة العثمانية عقب الحرب العالمية الأولى، مجرد مساحة جغرافية يُعاد ترسيم حدودها، بل ساحة مفتوحة لإعادة إنتاج القوة وفق توازنات دولية متحركة. فقد أسست اتفاقيات ما بعد الحرب، من سايكس بيكو إلى ترتيبات الانتداب، لبنى سياسية هشة، لم تُنشئ استقرارًا بقدر ما زرعت قابلية دائمة للانفجار. ومنذ تلك اللحظة، دخلت المنطقة في حالة سيولة جيوسياسية مستمرة، حيث لا تستقر موازين القوى، بل يعاد تشكيلها مع كل صدمة تاريخية.

في قلب هذه اللحظة، جاء وعد بلفور بوصفه أحد أخطر التحولات البنيوية، إذ لم يكن مجرد تعهد سياسي، بل تأسيسًا لمشروع اقتلاع جغرافي سياسي طويل الأمد. ومع الانتداب البريطاني ثم قيام إسرائيل، تحولت المنطقة إلى ساحة صراع مفتوح، وأصبحت القضية الفلسطينية مركزًا لإعادة تشكيل الهوية السياسية والتحالفات، لا مجرد نزاع حدودي. ومنذ ذلك الحين، لم تعد هذه القضية ملفًا سياسيًا فحسب، بل معادلة تأسيسية أثّرت في بنية الدولة الوطنية ومسار الحروب والتوازنات.

ومع تعاقب العقود، تعمّقت هذه السيولة، حتى بدا أن التاريخ في الشرق الأوسط لا يتقدم بقدر ما يعيد إنتاج نفسه بأشكال أكثر تعقيدًا، مع كل أزمة تعيد خلط الأوراق وتبدل مواقع الفاعلين.

في أواخر القرن العشرين، شكّل غزو العراق للكويت عام 1990 كسرًا للتوازن العربي، ومقدمة لانفتاح الإقليم على تدخلات دولية أوسع. إلا أن التحول الأعمق جاء مع سقوط بغداد عام 2003، الذي لم يكن مجرد تغيير نظام، بل تفكيكًا لإحدى ركائز التوازن الإقليمي. ومع انهيار هذا التوازن، نشأ فراغ استراتيجي كبير، ملأته إيران عبر نموذج نفوذ مختلف قائم على شبكات عابرة للحدود ذات بعد عقائدي، امتدت من العراق إلى سوريا ولبنان، فيما عُرف "بالهلال الإيراني".

غير أن هذا الهلال لم يكن تحالفًا تقليديًا، بل منظومة مرنة تعتمد على فاعلين غير دوليين، وتتحرك داخل هشاشة الدول. ومع تراكم الأزمات، بدأ يتآكل تدريجيًا؛ استنزفته الحرب في سوريا، وقيدت أزماته في لبنان حركته، بينما حدّت الضربات الإسرائيلية من قدرته على المبادرة.

ثم جاءت الحرب في غزة لتعيد الصراع إلى مركزه الأول، وتكشف هشاشة محاولات تجاوز القضية الفلسطينية. فقد أثبتت أن الاستقرار الإقليمي لا يمكن بناؤه دون حل جذري لهذه القضية، التي عادت لتكون بؤرة تفجير إقليمي وعاملًا حاسمًا في تشكيل الوعي والتحالفات، مؤكدة أن القوة العسكرية وحدها عاجزة عن إنتاج الاستقرار.

وبذلك، لم يعد ما يجري مجرد تصعيد عابر، بل لحظة انكشاف لوهم استمر لعقود، وهو إمكانية بناء استقرار إقليمي مع تجاوز القضية الفلسطينية. فكل ما جرى خلال القرن الماضي كان في جوهره إدارة للصراع لا حلًا له.

في هذا السياق، برزت الاتفاقيات الإبراهيمية كمحاولة لإعادة تعريف التحالفات على أساس المصالح، لكنها سرعان ما كشفت حدودها حين اصطدمت بحقيقة أن الاستقرار لا يُبنى بتجاوز جوهر الصراع، بل بمعالجته.

ومع تصاعد المواجهه بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تقترب المنطقة من لحظة قد تمثل أكبر زلزال جيوسياسي منذ قرن. فالمواجهة مع إيران، إن تحولت إلى حرب مفتوحة، لن تكون مجرد صراع عسكري، بل عملية إعادة تشكيل شاملة للتوازنات، منهية نموذج "الهلال الإيراني" كما عرفناه، وتفتح الباب أمام خرائط جديدة. وفي حال انهيار إيران، فإن الفراغ الناتج قد يتجاوز تداعيات سقوط العراق بكثير، بما يحمله من احتمالات تفكك وصعود قوى جديدة وانفجار صراعات كامنة.

أما إذا صمدت إيران، وهو سيناريو مرجح في ضوء طبيعة عقيدتها الدفاعية القائمة على حماية الدولة والعمق الجغرافي، فإنها ستخرج جريحة لكنها غير محطمة، ما لم تتعرض لضربات غير تقليدية. وعندها ستدخل المنطقة مرحلة أكثر حدة واستقطابًا، تقوم على توازن ردع هش، وسباق تسلح، وتوسع في التحالفات العسكرية، مع تحوّل متزايد نحو الاقتصاد الأمني. فإيران، بما تمتلكه من عمق تاريخي وجغرافي وديموغرافي، وشبكات نفوذ مدعومة من بعض القوى الكبرى، تظل لاعبًا قادرًا على إعادة التموضع.

في كلا السيناريوهين، لن تكون النتيجة تقليدية، بل لحظة مفصلية تعيد تشكيل الإقليم، وتفتح الباب أمام بروز بدائل عربية براغماتية.

في هذا الإطار، يبرز احتمال تشكّل "قوس المشرق العربي" الممتد من العراق عبر سوريا ولبنان إلى فلسطين، إلى جانب "قوس الخليج العربي" من اليمن إلى الكويت، بحيث تتموضع الأردن والسعودية في قلب هذا التكوين. ومن هذا التلاقي، يمكن تصور نشوء "كرة الاستقرار أو الازدهار العربي" كمنظومة جيوسياسية متكاملة لا تقوم على الأيديولوجيا، بل على البراغماتية، ولا يسعى للهيمنة، بل إلى الاستقرار المنتج. بمعنى اخر تشكل منظومة جيوسياسية، تتجاوز فكرة التحالف إلى فكرة التكامل.

وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال دور مصر بوصفها أحد أعمدة التوازن التاريخية في الإقليم. فالقاهرة، بما تمتلكه من ثقل ديموغرافي وموقع جيوسياسي يربط البحرين الأحمر والمتوسط، تظل عنصرًا حاسمًا في أي معادلة إقليمية قادمة. وبدون انخراط مصري فعّال، يصعب على أي مشروع عربي أن يتحول إلى منظومة مستقرة وقادرة على التأثير، ما يجعل حضورها شرطًا بنيويًا لنجاح أي إعادة تشكيل للتوازن في المنطقة.

هذا التصور لا يعتمد على الامتداد الخطي، بل على الترابط العضوي بين مكونات الإقليم، بهدف حماية خطوط الطاقة، وتعزيز التكامل الاقتصادي، وبناء أمن جماعي. وهنا تتحول الجغرافيا من عبء أمني إلى أصل اقتصادي، ومن ساحة صراع إلى فضاء إنتاجي.

ومع ربط شبكات الطاقة والممرات التجارية والبنية التحتية في منظومة واحدة، يصبح استهدافها أكثر كلفة وتعقيدًا، ما يحول هذا التكوين إلى درع جماعي يجمع بين القوة الصلبة والناعمة.

لكن نجاح هذا النموذج يبقى مشروطًا بقدرته على تجاوز التباينات السياسية، وبناء أطر حوكمة مرنة، واستثمارات عميقة، وإصلاحات داخلية تعزز الإنتاجية والتكامل.

وفي هذا السياق، يصبح الأمن العربي نتاجًا للتكامل لا مجرد رد فعل على التهديدات. فمع تزايد الهجمات غير المتوقعة وغير المتناظرة، التي نفذتها ايران على اراض دول الخليج والسعودية والاردن دون مبرر على الاطلاق، والتي من المتوقع ان تخرج جريحة من حربها، الا انها غير محطمة، فان هذا البناء العربي سيشكل الرد الامثل على استراتيجية التمدد الإيراني الراسخ في العقيدة الاستراتيجية عبر القرون، وتوفر إطارًا صلبًا للاستقرار في المشرق العربي، وكذلك لحماية مستقبل الدول العربية في مرحلة الترتيبات القادمة للمنطقة، والتي ستتبلور خلال السنوات القليلة القادمة، وإذا فشلت، قد تعيد المنطقة إلى دوامة الصراع والفوضى.

في موازاة ذلك، ستبقى تركيا لاعبًا حاضرًا، تراقب هذه التحولات، في منطقة نفوذ حيوي تنظر إليها بعين تاريخية واستراتيجية. عندها ستكون انقرة مظطرة إما للانخراط فيها اقتصاديًا أو موازنتها سياسيًا. وفي كلتا الحالتين، ستبقى لاعبًا لا يمكن تجاوزه في أي معادلة إقليمية جديدة.

أما إيران، فإذا نجت من الحرب، وعلى الاغلب ستنجو، جريحة، الا انها غير محطمة، وستعلن النصر الجيواستراتيجي، عندها ستكون أمام لحظة مراجعة استراتيجية، اما إعادة تعريف دورها إقليميًا، أو الاستمرار في نموذج التمدد وما يحمله من استنزاف. وفي جميع الاحوال فانها ستكون مطالبة بالاعتذار والتعويض عن ضرباتها للدول العربية دون مبرر. وهو ذات الامر الذي طلبته ايران من الولايات المتحدة الامريكية (التعويض). في جميع الاحوال مستقبل إيران لن يُحسم فقط بنتائج الحرب، بل بقدرتها على إعادة تعريف ذاتها.

أما القوى الدولية، فتسعى لإعادة التموضع؛ الولايات المتحدة لتقليل الكلفة مع الحفاظ على النفوذ، وإسرائيل لإدراك حدود القوة العسكرية، وأوروبا لتفادي تداعيات الفوضى، فيما تدخل الصين وروسيا على خط التنافس، ما يجعل المنطقة ساحة لإعادة تشكيل النظام الدولي.

في قلب هذه التحولات، يبرز الأردن بوصفه عقدة جيوسياسية مركزية، قادرًا، بحكم موقعه وحكمة قيادته، على التحول إلى محور توازن، ومنصة لربط المصالح، ومركز لوجستي للطاقة والتجارة. غير أن هذا الدور لا يُمنح بحكم الجغرافيا، بل يُنتزع برؤية استراتيجية.

وفي هذا الإطار، يكتسب الطرح الذي يقوده الملك عبد الله الثاني، بعدًا استراتيجيًا متقدمًا، حين يربط استقرار المنطقة بحل عادل للقضية الفلسطينية وبناء منظومة تعاون إقليمي حقيقية. فهذا الطرح اصبح ضرورة جيوسياسية في ظل استنزاف الجميع.

إن ما يتشكل اليوم ليس مجرد إعادة ترتيب للتحالفات، بل احتمال ولادة نظام إقليمي جديد، منطلقاً من السيناريوهات المستقبلية، عالم متعدد الأقطاب، أو استمرار الصراعات، أو ولادة نظام عالمي جديد يعاد فيه توزيع مراكز القوة. وهنا فان "كرة الاستقرار او الازدهار العربي" ان رات النور قد تشكل "كرة جيوسياسية عربية"، منتجة للاستقرار، أو تنزلق إلى إعادة إنتاج الصراع. والفارق يكمن في القدرة على التنفيذ.

في النهاية، يقدم التاريخ درسًا واضحًا، الأزمات لا تدوم، لكنها تعيد تشكيل من لا يستعد لها. وبين أفول "الهلال الإيراني" وإمكانية تشكّل "كرة الاستقرار او الازدهار العربي"، تقف المنطقة أمام لحظة تاريخية حاسمة. فالمستقبل لن يُصنع بالشعارات، بل بالقدرة على تحويل الجغرافيا إلى قوة، والتاريخ إلى فرصة.

وفي لحظة كهذه، لا يكون السؤال من سيربح الصراع، بل من سينجح في الخروج منه. لأن من يبقى أسير الصراع، لن يكون جزءًا من المستقبل.

ومن قلب الفوضى، يولد النظام الجديد، ومن قلب الصراع تتشكل قواعد الاستقرار القادمة. والعالم الجديد سيكون أكثر صلابة وأقل تسامحًا مع الضعف، ما يجعل الرؤية الاستراتيجية والاستشراف المسبق شرطًا لعبور هذه المرحلة المضطربة.

مدار الساعة ـ