أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

أبو لبن يكتب: ذاكرة القرية الفلسطينية.. رواية 'أحلام إبليسة'


الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق

أبو لبن يكتب: ذاكرة القرية الفلسطينية.. رواية 'أحلام إبليسة'

الدكتور زياد أبو لبن
الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق
مدار الساعة ـ

صدر حديثًا في عمّان، وبدعم من وزارة الثقافة لعام 2026، رواية الدكتور أحمد عرفات الضاوي بعنوان "ذاكرة إبليسة". في مقدمة الرواية، كتبتُ: يقوم النص الروائي (هنا) على السارد العليم باعتباره ساردًا خارجيًا لأحداث الرواية، حيث يمنح نفسه معرفة شخصيات الرواية معرفة واقعية، وعارفًا بدقائق الأمور وخفاياها، ويحرك شخصياتها كيفما يشاء بما يخدم تسلسل الأحداث بشكلها الهرمي، بعيدًا عن التقنيات السردية الحديثة الذي ينشغل بها الروائيون الحداثويون، ويتحرك السارد العليم بين أزمنة وأمكنة متعددة تقوم عليها أحداث الرواية، وبلغة لا تستعصي على القارئ، وهي أقرب ما تكون للسرد المباشر، ويتداخل الحوار بين الشخصيات بلهجة عامية أو بلهجة أهل القرى الفلسطينية، بما تحمله من ألفاظ ومصطلحات قد تكون غريبة على جيل اليوم من القرّاء، لكن السياق يسعف القارئ على فهمها وفهم مجريات الأحداث. وقد أشرت على كاتب الرواية أن يُلحق في الرواية جدولًا يشرح المفردات التراثية من العامية الفلسطينية التي يصعب على القارئ العربي الوصول إلى معانيها.

الراوي العليم هو راوي النص السردي، فيروي الأحداث بضمير الغائب وهو مؤلّف الرواية نفسها، باستخدام أصوات السرد المتعارف عليه بضمير المتكلّم (أنا)، وضمير المخاطب (أنت)، وضمير الغائب (هو).

تتسارع وتيرة أحداث الرواية لتكشف عن شخصيات متعددة يكون الراوي العليم هو الشخصية المحورية في الرواية، وتبرز رئيسة في العمل مثل: شخصية (إبليسة) وشخصية (الأم) وشخصية (أبو السمن) وشخصية (بهية) وشخصية (عمر)، وشخصيات أخرى ثانوية مثل: شخصية والد إبليسة وشخصية المختار وشخصية أم صالح خرويش وشخصية أبو راس وغيرها.

أما الأمكنة فتتوزع على مساحة أحداث الرواية بدءًا من القرية التي تجري فيها معظم أحداث الرواية إلى المدينة إلى مخيم عين شمس إلى عمّان، وهناك أمكنة أخرى عابرة لأحداث عابرة، في حين يبقى الحدث الأبرز للقرية. كما أن هناك أزمنة متعددة، لكنّ الزمنين الرئيسين في الرواية هما: ما قبل النكسة الفلسطينية، الخامس من حزيران، وما بعد النكسة.

تبرز شخصية مريم الخطيب والتي عرفت بين أهل القرية بـ (إبليسة)، وهذا الاسم أو اللقب يطلقه الناس في فلسطين على الذكر والأنثى (إبليس - إبليسة)، وعلى من يتصف أو تتصف بالمكر والدهاء والذكاء. ومريم الخطيب تتمتع بهذه الصفات، وهي في ريعان الصبا وحازت على جَمال أثار غيرة صبايا القرية وعجائزها، ولم تسلم من انتقادتهن والتصيّد لها وخاصة عندما شاع في القرية أن (أبو السمن) تحرش بها.

تعلّق قلب الطفل/ السارد الذي لم يبلغ من العمر سبع سنوات مع فارق السن بينه وبين إبليسة التي تبلغ من العمر سبعة عشر عامًا، هذا التعلّق رسم في ذهنية الطفل عشق أبدي عندما بلغ مبلغ الشباب، فأدرك أن الماضي مع إبليسة كان عشقًا فطريًا، ويثير سؤالًا في نفسه: "هل يعشق ابن السابعة ؟"، ويجيب على سؤاله: "نعم لقد كان ذلك عشقًا فطريًا!"، ويصف هذا العشق بقوله: "كله شوق وفرح دون وجع أو هيام. عشق جميل متزن، لا نزق فيه ولا غيرة، لا هدف محددًا منه احتاحني فاستمتعت به، ولكن لم أكن أعرف له تسمية، مثل هذه المصطلحات لم تكن شائعة أو غير معروفة لطفل في السابعة .".

يراقب الطفل معشوقته إبليسة ويتأمل ابتسامتها العذبة وتسريحة شعرها وكحل عينيها، ويبدو أن الطفل لديه الإدراك والوعي فيما يدور حوله، يسبق أقرانه الصغار، رغم أنه بدافع فطري لا غريزي، وليس كما رأى فرويد بدافع غريزي على أساس أن الرضع منذ الولادة. ويلقى الطفل تقريع وتهدي ووعيد وضرب خفيف من أمّه عندما ضبطته يراقب إبليسة بعيون الدهشة، حيث إن هذا الفعل يقع في ثقافة العيب في مجتمع ذكوري.

يدرك السارد خبث الصغار عندما تعود به الذكريات إلى ملاعب الطفولة، وهو يقدّم تفاحة إلى إبليسة مقابل حبة كعكبان أو حبة حامض حلو تصرّها إبليسة في زنارها، وللتفاحة دلالات في المورث الديني يرتبط بالغوية الأولى. وكيف يدرك الطفل عشقه وإبليسة تنظر إليه بحزن تتبعها تنهيدة وتقول له: "أنت الرجل الوحيد في هذه القرية لكن يا خسارة أنت صغير عليّ..". لم يفهم الطفل مرامي قولها واكتفى يتأمل قوامها وهي تبتعد. وهذا الإدراك يظهر جليًا عندما بلغ الطفل مبلغ الرجال، حينها يتذكّ بيت أبي فراس الحمداني في حبيبته:

وقور وريعان الصبا يستفزها فتأرن أحيانًا كما أرن المهر

تدافع ذكريات الطفولة في تفاصيل الرواية وهو يمضي سنوات الدراسة إلى التوجيهي في مدرسة المدينة المجاورة للقرية، وأيام تجمعه مع إبليسة في أسئلة تثير مشاعر غامضة أو مبهمة لصبي يشب على الطوق وإشارات من إبليسة ملتبسة على فهمه. وتبدو إبليسة مصدر معرفة لطفل شغوف لم يدرك سُبل الحياة ومرارتها، فتدّثه عن فرحان السعدي والقسام، وكأنّها تزرع في نفس الصبي شعورًا وطنيًا مجهولًا بأحداث تمرّ بها القضية الفلسطينية، يتجلّى هذا الشعور بعد سنوات من عمر الصبي عندما يرى سيارات الجنود ومعسكر يحطّ على أرض القرية، ومقارعة العسكر للوطنيين من الشباب ومظاهرات طلاب المدرسة تختلط بمظاهرات صاخبة تعمّ أرجاء المدينة، وحملات ااعتقال وقمع ومحاكمات وتهديدات وصوت رصاص، وتتجلّى لحظة الإدراك في حوار قصير وسريع مع أحد الجنود الذي تلقى تعليمات بأن هؤلاء الناس كفّار، وتتسع دائرة الإدراك عندما يرى جنودًا أغراب بدباباتهم، ويسمع بطبول الحرب ويتبعها نكسة الخامس من حزيران بهزيمة العرب، وزوال أكاذيب أحمد سعيد من صوت العرب!

يرصد الراوي العليم/ السارد حياة القرية وتحوّلاتها وحركة شخوصها بكل تفاصيل الصغيرة والكبيرة، تلك القرية التي بتمظهراتها في بساطة الحياة وفي مأكلهم ومشربهم وملبسهم وأغنامهم وأبقارهم وحكاياتهم ومعتقداتهم وخرافاتهم وخصوماتهم وفقرهم وجوعهم وطقوس الأعياد، وبناء مدرسة لبنات القرية وهو حدث جديد ومفاجئ للقرية، فكان لإبليسة والمعلمة بهية دور كبير في تربية نشئ جديد.

تبدو عين السارد كاميرا تتحرك باتجاهات مختلفة، لتنقسم الرواية لحدثين كبيرين: حدث يقع في إطار زمني قبل الخامس من حزيران، وحدث يقع في إطار زمني ما بعد الخامس من حزيران. الحدث الأول يرصد تحولات القرية والمدينة ويركز على حياة الناس وتطورها الاجتماعي وعلى الفعل السياسي المرتبط بالمقاومة الشعبية وحكم النظام التعسفي والقمعي والمقاومة الشعبية للاحتلال الإنجليزي وثم حرب الخامس من حزيران.

تبدأ رحلة السارد (الراوي العليم) إلى عمّان والتسجيل بالجامعة، فيلقى من شظف العيش ما يدفعه للبحث عن عمل والسكن في فندق متواضع، وفي هذا الفندق تكون المفاجأة برؤية (أبو السمن) العائد من الكويت بصحبة زوجته وطفليه. ويعتمد السارد على لحظة الصدفة في رؤية لقاءات الماضي مع الحاضر، لقاء بهية في (العبدلي) العائدة إلى الضفة الغربية، ولقاء الأستاذ عمر الذي ترك التدريس والتحق بالعمل النضالي، والأستاذ عمر معلم اللغة الإنجليزية للصبي في مدرسة المدينة، والذي كان يرسل الرسائل والكتب لإبليسة، والصبي حلقة الوصل بينهما، كذلك يرى إبليسة مع زوجها وطفلها في عمّان، حيث تنتهي الرواية على مفتتح تأويلي لمجريات الأحداث: "يومها أحسست فقط بأن للناس نكسة ولي نكستان".

أختم بالقول؛ إن رواية الدكتور أحمد عرفات الضاوي (أحلام إبليسة) رواية واقعية تنشغل بالهمّ الخاص والعام معًا، وهي أقرب ما تكون للسيرة الذاتية منها للرواية أو ما يسمّى السيرواية، والتي لا تنفصل عن مخيّلة الكاتب، حيث تكشف عن تجربة ذاتية في تجسيد صورة مكتملة عن شخصياتها وواقفها ومشاهداتها وصراعاتها، وتنطلق من الخاص إلى العام، فتمتزج السيرة الذاتية بالمتخيّل الروائي، فهي ترجمة لوقائع عاشها الكاتب وتجرّع مرارتها، وهي رواية تتصل حلقاتها بلحظات تاريخية من تاريخ القضية الفلسطينية، وتكشف عن فارق بين زمنين وحدثين كبيرين هما ما قبل النكسة وما بعدها.

مدار الساعة ـ