ليس في الأمر التباس، والمشهد لا يحتمل أيّ مساحة للتأويل أو التذاكي، فما يجري هو استهداف مباشر للأراضي الأردنية. الصواريخ التي تصيب مواقع داخل الحدود، هي اعتداء صريح على الوطن لا على "قواعد"، كما تحاول طهران تسويق روايتها، وكما يردد خلفها من اختاروا أن يكونوا مجرد صدى، لا عقل لهم ولا موقف.
لا يمكن لعاقل أن يقبل بتزوير الواقع إلى هذا الحد، وأن يرضى بتحويل وطنه إلى مجرد ساحة مستباحة تعاد تسميتها وفق أهواء الآخرين. الصواريخ الإيرانية، وخلافا للبيانات الدعائية من طهران، تصيب الجغرافيا التي يعيش عليها الأردنيون، وتهدد سلامتهم، وتضع سيادة الدولة في مرمى الانتهاك المباشر. هذا هو التعريف البسيط والواضح لما يحدث، أمّا كل ما عداه، فهو بناء لغوي هش، يُراد له أن يغطي على هذه الجريمة.المشكلة لا تتعلق بسوء فهم، ولا بخلل في التحليل، فما نواجهه هو حالة اصطفاف واع ضد الوطن، تتخفى أحيانا خلف شعارات كبرى، لكنها في جوهرها تعبير عن انحياز كامل لمشاريع خارجية، لا ترى في الأردن سوى "ممر" أو "وظيفة" أو "عتبة" لتحقيق أهدافها.من يصر على ترديد أنّ ما يجري هو استهداف لـ"قواعد أميركية"، يتجاهل عمدًا أنّ أيّ ضربة تقع داخل الحدود الأردنية هي، بالضرورة، انتهاك للسيادة الأردنية، مهما كانت الذرائع. وحين يعرّض أمن المواطنين للخطر، فإن كل خطاب يحاول تبرير ذلك، أو الالتفاف عليه، يتحول إلى شريك في الجريمة. نحن لا نتحدث عن اختلاف في وجهات النظر، بل عن عملية منظمة لتزييف الوعي، ولخلق حالة من الانفصال بين الإنسان وأرضه، بحيث يصبح قادرا على تبرير ما يفترض أن يدينه، والدفاع عما يفترض أن يرفضه.أنا مطّلع على تفاصيل غير مصرح لي بالكشف عنها، تكفي لإسقاط كل هذه السرديات الزائفة، فاستهداف مواقع مدنية، وبدقة في الإحداثيات، لا تترك مجالا للحديث عن "أخطاء" أو "انحراف مسار"، فهي فعل محسوب، يعرف تماما أين يضرب، وماذا يمكن أن ينتج عن الضربة.كنت أتمنى لو أن أجهزة الدولة نظمت جولة ميدانية للإعلاميين في المواقع التي تعرضت للاستهداف، من باب كشف حجم الاعتداء أمام الرأي العام. ولا أعتقد أن أولئك الذين باعوا عقولهم سيقتنعون، فهم حسموا موقفهم مسبقا، ولن يغيّروا قناعاتِهم حتى لو رأوا الحقيقة عيانا، ولكن من أجل الصادقين، الذين يستحقون أن يروا الصورة كما هي، وأن يدركوا حجم الجهد الذي تبذله مؤسسات الدولة كي يبقى هذا البلد آمنا، رغم كل ما يحاك حوله.الدولة تواجه الصواريخ، وتواجه أيضا حربا على الوعي، تحاول أن تخلط بين المعتدي والضحية، وأن تعيد ترتيب الأولويات بحيث يصبح الدفاع عن الوطن تهمة، والتشكيك به فضيلة.الأردن لا يدافع عن حدوده فحسب، بل عن معنى أن تكون فكرة السيادة ليست قابلة للتفاوض أو التأويل، ومن يقف خارج هذا المعنى، أيا كانت شعاراته، فإنه يقف عمليا في الجهة المقابلة للوطن.سؤال مع من نقف، ينبغي أن لا يتبادر للذهن في وقت تتم فيه استباحة الوطن. نحن نقف مع أنفسنا، ومع أرضنا، وحقنا في أن نكون دولة لا يتم انتهاك سيادتها ثم يطلب منها أن تصمت.انشغل البعض في ترتيب المخاطر، والمفاضلة بين إيران ودولة الاحتلال، ومن هو "الأكثر خطورة"، في محاولة لتبرير انتهاك السيادة الأردنية. لكن هذا النوع من النقاش ينقلنا من موقع الدفاع عن الوطن إلى موقع المساومة عليه، فمجرد الدخول في هذا الميزان المختل يعني أننا قبلنا، من حيث لا نشعر، بفكرة أن الخطر واقع لا محالة، وأن دورنا يقتصر على اختيار مصدره، لا رفضه من أساسه.هذه ليست معركة روايات، بل هي معركة وعي وانتماء، فمن لا يرى في سقوط الصاروخ على أرضه اعتداء عليه، لن يرى في سقوط الوطن كارثة. إنه أمر لا يمكن تبريره أو تأويله!