أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

القرالة يكتب: عند الوطن تسقط الأقنعة والمبررات


رشدي القرالة
صحفي أردني

القرالة يكتب: عند الوطن تسقط الأقنعة والمبررات

رشدي القرالة
رشدي القرالة
صحفي أردني
مدار الساعة ـ

ليس مطلوبا من أحد أن يبدّل عدوا بعدو، ولا أن يسقط في فخ المقارنات العاطفية التي تُربك البوصلة، المطلوب فقط أن نقرأ المشهد كما هو، لا كما نحب أن يكون، وأن نفهم أن الخطر لا يفقد صفته لأنه يرفع شعارا يروق للبعض، ولا يصبح مقبولا لأنه يتقاطع مرحليا مع غضب مشروع من طرف آخر، فالأوطان تُحمى بالوعي.

لقد أظهرت تطورات الإقليم أن الأردن يتعامل مع بيئة أمنية معقدة، وأنه حذّر من الانزلاق إلى مسارات خطيرة مع تصاعد الحرب الإقليمية، وأبسط قواعد الاتزان الوطني تقتضي أن نكف عن التعامل مع إيران بوصفها استثناء أخلاقيا أو سياسيا، وكأنها خارج معيار المحاسبة لمجرد أنها على خصومة مع طرف نخاصمه، فهذه طريقة خطرة في التفكير، لأنها تُدخل الناس في عمى انتقائي، يرى بعض التهديدات بوضوح، ويتردد أمام أخرى، مع أن معيار الدولة في مثل هذه المواقف يقوم على عدة أسئلة... من يهدد أمن الوطن؟ من يضغط على استقراره؟ من يتعامل مع ساحته بوصفه ممرا أو ورقة أو ساحة رسائل؟ عند الإجابة عليها تسقط الزينة كلها، ولا يبقى إلا معيار الوطن.

فإذا صدر تهديد للأردن، أو وضعت أراضيه وأجواؤه ومصالحه في دائرة الاستهداف، أو جرى التعامل معه باعتباره ساحة يمكن تجاوزها أو الضغط عليها، فإن الواجب الوطني يقتضي موقفا واضحا لا التباس فيه... هذا خطر مرفوض، وهذا عدوان على المعنى الوطني قبل أن يكون على الجغرافيا، وهذا تجاوز لا يجوز تبريره ولا تسكينه ولا تغليفه بحجج أيديولوجية أو اصطفافات خارجية، لأن الوطن ليس هامشا في معركة أحد، ولا تفصيلا مؤجلا إلى حين انتهاء الآخرين من حروبهم وحساباتهم.

ومع ذلك، فإن التوازن يقتضي أيضا ألّا ننزلق إلى خطاب التخوين السهل تجاه كل من أخطأ في تقدير إيران أو بالغ في تبرير أفعالها، الأجدر أن نقول بوضوح، من يضع الأردن أولا، عليه أن يعيد النظر في أي موقف يخفف من وقع أي تهديد يمس الوطن، أيا كان مصدره، أما تحويل الخلاف السياسي إلى اتهام شامل في الانتماء، فليس دائما أنفع طريق، لأن الوطن يحتاج إلى استرداد الوعي أكثر من حاجته إلى توسيع القطيعة، والمطلوب هو مراجعة صريحة، لا مزايدة صاخبة، تصحيح في البوصلة، لا فتح جبهة داخلية جديدة.

وعلينا أن نعي جيدا بأن الأعداء ليسوا نسخة واحدة، لكنهم يلتقون جميعا عند نقطة واحدة حين يتعلق الأمر بالأردن، كل من يعرّض أمنه للخطر، أو يتعامل مع سيادته باستخفاف، أو يهدد استقراره، يدخل في دائرة الخطر التي يجب أن تُقرأ بعين الدولة لا بعين الهوى، ولهذا، فإن الحكمة الوطنية تقوم على تثبيت معيار ثابت... لا أحد يُمنح حصانة سياسية أو عاطفية إذا مسّ هذا الوطن أو لوّح بتهديده أو جرّه إلى ساحات لا يريدها.

الوطن لا يحتاج من أبنائه أن يحبوا هذا الطرف أو يكرهوا ذاك بقدر ما يحتاج منهم وضوحا بأن يكون الأردن فوق كل اصطفاف، وأن تكون سلامته فوق كل رواية، وأن يكون أمنه القومي خطا لا يُكسر لأجل أي شعار، وحين يستقر هذا المعيار في الوعي العام، يصبح النقاش أكثر نضجا، ويصبح الخلاف أقل ضررا، وتصبح المواقف أقدر على خدمة الوطن بدل استنزافه.

الانحياز الحقيقي ليس لإيران ولا لغيرها، وإنما للأردن، هذا هو الموقف الأصدق، وهذا هو الميزان الذي لا يخطئ... ما مسّ أمن الوطن فهو مرفوض، وما هدّد استقراره فهو خطر، وما حاول تحويلها إلى ساحة لرسائل الآخرين فهو اعتداء على حقها في أن تبقى آمنة، ومن هنا تبدأ الوطنية الجادة، لا من تبرير الأخطار، وإنما من تسميتها، ولا من التردد أمامها، وإنما من الوقوف صفا واحدا في وجهها.

مدار الساعة ـ