يقوم النظام الدستوري في الأردن على أساس النظام النيابي، حيث يشكل مجلس النواب الأداة الأساسية التي تعبر عن إرادة الشعب. فإذا كان الأصل في الديمقراطية النيابية أن يقتصر حق الناخبين على اختيار من يمثلهم في المؤسسة البرلمانية لمدة زمنية محددة، وأن يخضع هؤلاء الممثلون للرقابة الشعبية عند إجراء انتخابات جديدة من خلال إعادة التصويت على الثقة بهم من عدمها، فإن المشرع الدستوري قد منح الأردنيين مِكنة دستورية إضافية لتعزيز المشاركة الشعبية خارج إطار الانتخابات التشريعية، وذلك بهدف إدامة التواصل المباشر بين المواطنين والسلطات العامة.
وفي هذا السياق، تنص المادة (17) من الدستور على أن "للأردنيين الحق في مخاطبة السلطات العامة فيما ينوبهم من أمور شخصية أو فيما له صلة بالشؤون العامة بالكيفية والشروط التي يعينها القانون". ويعكس هذا النص مبدأ دستوريا مهما، مؤداه أن العلاقة بين المواطن والسلطة الحاكمة لا ينبغي أن تقوم على تحييد الفرد والاكتفاء بتمثيله نيابيا في المؤسسة البرلمانية، بل يفترض بها أن تكون علاقة تفاعل ومشاركة تسمح له بالتعبير عن رأيه وطرح القضايا العامة التي تهمه.وقد شهدنا خلال الفترة الماضية عددا من المبادرات التي طرحتها السلطات العامة من أجل تفعيل هذا الحق الدستوري. فقد طرحت الحكومة فكرة إجراء استبانة لاستمزاج رأي الموظفين الأردنيين حول فكرة الدوام لأربعة أيام في الأسبوع مقابل عطلة لثلاثة أيام، حيث هدفت هذه الخطوة إلى توفير بيانات ومعلومات تساعد في اتخاذ القرارات المناسبة. كما بادرت السلطة التشريعية ممثلة بمجلس النواب إلى إطلاق منصة إلكترونية لاستقبال آراء المواطنين والخبراء والفعاليات المختلفة حول المشروع المعدل لقانون الضمان الاجتماعي.إن هذه المبادرات، رغم قلتها، تمثل خطوة مهمة في اتجاه تعزيز المشاركة المجتمعية في مناقشة السياسات العامة، كما تكرس حق الأردنيين الدستوري في مخاطبة السلطات المعنية في مسائل تتعلق بشؤونهم الخاصة ابتداء، إذ لا يمكن التفكير في موضوعات أكثر اتصالا بحياة المواطنين اليومية وأوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية من أيام وساعات عملهم الأسبوعية أو مدخراتهم التي يستثمرونها للحصول على رواتب تقاعدية عند الشيخوخة.غير أن هذه الإجراءات الحكومية في تفعيل التواصل مع المواطنين لا تزال ذات طابع انتقائي، إذ تخضع في كثير من الأحيان للأهواء والرغبات الشخصية أو للظروف السياسية والاقتصادية المحيطة بكل موضوع. فلا توجد حتى الآن آلية تشريعية أو إدارية واضحة تلزم السلطات العامة بإتاحة المجال أمام الأردنيين لمخاطبتها وسماع آرائهم في الموضوعات التي تمسهم شخصيا أو تتعلق بالشؤون العامة للدولة.ومن هنا تبرز الحاجة إلى وضع أطر قانونية واضحة لتكريس المادة (17) من الدستور، وذلك من خلال إصدار قانون عادي يحدد الشروط والأحوال التي يمكن للأردنيين فيها مخاطبة السلطات العامة بصورة منظمة ومحددة، ليس فقط عبر تقديم الشكاوى والعرائض، بل أيضا من خلال إتاحة المجال أمامهم لإبداء آرائهم ومقترحاتهم المتعلقة بالتشريعات والسياسات العامة ذات الصلة بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.إن المكتسبات المأمولة من تفعيل المادة (17) من الدستور عديدة، أهمها أن إتاحة قنوات واضحة لمخاطبة السلطات العامة تعزز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وتكرس فكرة أن المشاركة في الشأن العام لا تتوقف عند صندوق الاقتراع، بل تمتد لتشمل التعبير عن الرأي والمساهمة في النقاش العام حول السياسات والتشريعات.كما أن إرساء آليات مؤسسية لمخاطبة السلطات العامة من شأنه أن يعزز الشفافية ويحد من الفجوة التي قد تنشأ أحيانا بين صانع القرار والمجتمع. فالمواطن الذي يجد قنوات واضحة ومباشرة للتعبير عن رأيه يشعر بدرجة أعلى من الثقة في مؤسسات الدولة، كما يصبح أكثر استعدادا للمشاركة الإيجابية في دعم السياسات العامة والدفاع عنها.وفي المقابل، فإن زيادة مظاهر الاتصال بين المواطنين والسلطات العامة والاستماع إلى آرائهم ومقترحاتهم ضمن إطار تشريعي واضح لا ينتقص بأي شكل من الأشكال من دور مجلس النواب بوصفه الممثل الدستوري لإرادة الشعب وصاحب الاختصاص في ممارسة الوظيفة التشريعية والرقابية. بل على العكس، فإن المنصات الحكومية والاستبانات المتاحة للمواطنين يمكن أن توفر للمجلس قاعدة معلومات حقيقية عن نبض الشارع، الأمر الذي يساعده في عملية التشريع واقتراح التعديلات المناسبة، وفي تفعيل أدوات الرقابة البرلمانية على الحكومة ووزرائها.وخلاصة القول، إن ما نشهده اليوم من استبانات ومنصات لإبداء الرأي يمثل بداية مهمة، لكنه ينبغي أن يتحول إلى نهج مؤسسي ثابت ومستقر يستند إلى إطار قانوني واضح وتطبيق فعلي للمادة (17) من الدستور. فهذا النص لا ينبغي أن يبقى حكما معطلا، بل يجب أن يتحول إلى ممارسة عملية ثابتة تفتح المجال أمام المواطنين للمشاركة في الحوار العام حول القضايا التي تمس حياتهم ومستقبل مجتمعهم.حق المواطنين في مخاطبة السلطات العامة
أ. د. ليث كمال نصراوين
أستاذ القانون الدستوري – عميد كلية الحقوق في جامعة الزيتونة
حق المواطنين في مخاطبة السلطات العامة
أ. د. ليث كمال نصراوين
أستاذ القانون الدستوري – عميد كلية الحقوق في جامعة الزيتونة
أستاذ القانون الدستوري – عميد كلية الحقوق في جامعة الزيتونة
مدار الساعة ـ