أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة شهادة الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

ليلة القدر غنيمة العمر

مدار الساعة,شؤون دينية
مدار الساعة ـ
حجم الخط

الحمد لله الذي أكرمنا في رمضان بالعشر الأواخر، لنتحرى فيها ليلة القدر بإحياء الليالي وشد المآزر، وأشهد أن لا إله إلا الله المقدر لكل شيء ما يناسبه من المقادير، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله الذي له في كل خير الأوائل والبشائر، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الأكابر، وعلى التابعين لهم بإحسان ما دام في الدنيا من يجتنب النواهي ويمتثل الأوامر. أهمية الحديث عن ليلة القدر: أيها المسلمون: إن من نعم الله سبحانه على هذه الأمة أن جعل لها مواسمَ يتضاعف فيها العمل، ويُزاد فيها الأجر والثواب، ومن هذه الأزمنة شهر رمضان وأيام العشر فيه؛ لأن فيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وصفها ربُّنا بأنها ليلة مباركة، وشرفها على سائر الليالي، لكثرة خيرها وبركتها وفضلها، ومن بركتها أن هذا القرآن أُنزل فيها، ووصفها ربها بأنه يفرق فيها كل أمر حكيم؛ فتقدر فيها مقادير الخلائق في السَّنة، فيُكتب فيها الأحياء والأموات، والناجون والهالكون، والسعداء والأشقياء، وغير ذلك من كل أمر حكيم من أوامر الله المحكمة المتقنة، فما أعظمها من ليلة! فهي فرصة العمر، وغرة الشهر، وما أجلها وما أكرمها وما أوفر بركتها وخيرها وفضلها! حديث القرآن والسنة عن ليلة القدر: أيها المسلمون: لقد حدثنا القرآن والسنة عن ليلة القدر وفضلها، ومن فضلها نزول القرآن الكريم؛ قال الله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الدخان: 3 - 6]، ويقول الله تبارك وتعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر: 1 - 5]، وفي السنة النبوية عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه»؛ (رواه البخاري). اغتنام ليلة القدر: أيها المسلمون: إن اغتنام ليلة القدر يكون بتجديد التوبة والرجوع إلى الله، والندم على ما فرطنا في جنب الله؛ قال الله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53]، فباب التوبة مفتوح، والله يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، هل من توبة تمحو الخطايا والذنوب؟ قال ربنا جل وعلا: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان: 70]. نغتنم هذه الليلة بالصلاة والقيام والتهجد بين يدي الله بذُل وانكسار؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدم من ذنبه، ومن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»؛ (رواه البخاري). نغتنم هذه الليلة بالإكثار من الدعاء، ولا سيما ذلكم الدعاء العظيم المأثور؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: ((قلت: يا رسول الله، أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: قولي: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني»؛ (رواه الترمذي). نغتنم هذه الليلة بالذكر والاستغفار؛ قال الله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 152]، ويقول الله تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح: 10 - 12]. وقراءة القرآن، فهي من أفضل العبادات التي يتقرب بها العبد إلى ربه؛ قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ} [فاطر: 29]. وإن أرجى ما تكون فيه ليلة القدر هي العشر الأواخر من رمضان، وطلبها في أوتار الشهر آكد؛ قال عمر رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كان منكم ملتمسًا ليلة القدر، فليلتمسها في العشر الأواخر وترًا))؛ (رواه مسلم)، وأرجى ليلة من تلك الليالي هي ليلة سبع وعشرين، قال أبي بن كعب رضي الله عنه في ليلة القدر: ((والله إني لأعلمها، وأكثر علمي هي الليلة التي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيامها، هي ليلة سبع وعشرين))؛ [رواه مسلم]، ومن علاماتها أن يكون الجو مناسبًا والريح ساكنة، فقد أخرج ابن خزيمة والبزار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليلة القدر ليلة سمحة، طلقة، لا حارة ولا باردة، تصبح الشمس صبيحتها ضعيفةً حمراء»؛ (صحيح الجامع)، وتطلع الشمس في صبيحتها صافية لا شعاع فيها؛ فعن أبي بن كعب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صبيحة ليلة القدر تطلع الشمس لا شعاع لها، كأنها طست حتى ترتفع»؛ (صحيح الجامع). فعلى المسلم أن يجتهد في أيام وليالي هذه العشر طلبًا لليلة القدر، اقتداءً بنبينا صلى الله عليه وسلم، وأن يجتهد في الدعاء والتضرع إلى الله؛ قال ابن الجوزي: "وقد كان السلف يتأهبون لها، فكان لتميم الداري حلة بألف درهم يلبسها في الليلة التي يُرجى أنها ليلة القدر، وكان ثابت وحميد يغتسلان ويتطيبان ويلبسان أحسن ثيابهما، ويطيبان المسجد في الليلة التي ترجى فيها ليلة القدر، لما في ليلة القدر من خير عظيم"، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرمها فقد حرم الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا محروم»؛ (صحيح الجامع). خسارة التفريط في ليلة القدر: أيها المسلمون: إن المحروم كل الحرمان من أخبر بليلة العبادة فيها خير من العبادة في ثلاث وثمانين سنة، ثم لا يقضيها مع العابدين، ولبابه مع الساجدين ومع أصحاب التقوى المؤمنين؛ قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27]، إن بعض الناس يغفلون عن ليالي العشر وعن ليلة القدر، لأنهم قد اعتادوا في هذه الليالي التجوال في المحلات والأسواق لشراء مستلزمات العيد، وحاجيات النساء والأطفال، فهم مشغولون إما بالبيع أو الشراء، فتُهجر المساجد وتعمر الأسواق؛ التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها»؛ (رواه مسلم من حديث أبي هريرة)، فلا أعطى لنفسه نصيبًا من الطاعة، ولا تفرغ لإحياء ليلة من لياليها ولو بالقيام. فاغتنموا مواسم الطاعات والعبادات، فإن العمر قصير، والزاد قليل، والسفر طويل، وكل مرتهن بعمله، فمن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها، وما ربك بظلام للعبيد. فلا تضيعوا ساعات هذه الليالي والأيام واغتنموها، فلعل أحدنا لا يدركه رمضان آخر إلا وهو في عداد الموتى والمقبورين، فلا تزال الصيام، والقيام، والتلاوة، والإطعام، والذكر، والتدبر، والتفكر، والتوبة، والإنابة، والدعاء، والتضرع، والوصية بتقوى الله للأهل والأولاد، وحمل النفس على الطاعة، ومراغمة هذه النفس على مقاومة الكلل والملل، وقسوة القلب، وتحجر الفؤاد، وقحط العين، فمساكين من تفوتهم هذه اللحظات في لهو أو لعب؛ والله تعالى يقول: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 16]. استغلال بقية العشر الأواخر من رمضان: أيها المسلمون: ها هي العشر الأواخر قد بدأت بالانصرام، وهي أعظم ليالي الإدلاج والسير إلى الله، فاغتنموا فرصتها، واعمروها بالتهجد والتضرع والدعاء والتلاوة؛ فعن عائشة رضي الله عنها: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا دخل العشر، أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجد وشد المئزر))؛ (رواه مسلم)، وعنها قالت رضي الله عنها: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر، ما لا يجتهد في غيره))؛ (رواه مسلم). وللمريض والحائض والنفساء نصيب منها، فنقول: عليكم باستغلال هذه العشر بالذكر والدعاء والاستغفار، وأجركم كامل عند الله عندما حبسكم العذر عن الصيام والقيام؛ فعن جابر رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة، فقال: «إن بالمدينة لرجالًا، ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا، إلا كانوا معكم؛ حبسهم المرض»، وفي رواية: «إلا شركوكم في الأجر»؛ (رواه مسلم)، ويدخل في معنى هذا الحديث وأشباهه المريض والمرأة الحائض والنفساء التي حبسها العذر عن الصلاة وقراءة القرآن، وتأخذ أجرها كاملًا إن شاء الله ما دامت صادقة في العزم، ولم يمنعها سوى العذر، ومن يصدق الله يصدقه. وبين يدي المريض والحائض والنفساء من فنون العبادات وألوان الطاعات التي ينال بها أعلى المقامات ما لا حد له ولا حصر، منها الدعاء، وقد قال سفيان الثوري رحمه الله: "الدعاء في تلك الليلة - أي ليلة القدر - أحب إليَّ من الصلاة والتفكر"، وعن الحسن البصري وغيره: "تفكر ساعة خير من قيام ليلة"، فما يحجبك عن سكينة الدعاء، وحلاوة المناجاة، وجمال الذكر، وأنس التفكر في جلال الله وجماله، ولذة الاستماع إلى القرآن مع إمرار معانيه على القلب ومع التفكر والتدبر والتفاعل معه بالسؤال والتعوذ والمناجاة؟ هذا والله النعيم بل والله، هذه فرصة ليتذوق صاحب العذر حلاوة غائبة عن أكثر الناس في هذه العبادات - التي لا نفعلها إلا لمامًا، ولدقائق معدودة فقط - بأن يقضي الليل كله في الذكر والتسبيح والدعاء فلا شيء يحجزك عن الله، ولا شيء يحجبك عن أبواب السماء، ولا يدري المرء بم يكون فكاكه، ولست استثناءً من سباق المشتاقين إلى جوار رب العالمين وعند الصباح يحمد القوم السرى، قيل للضحاك: أرأيت النفساء والحائض والمسافر والنائم لهم في ليلة القدر نصيب؟ فقال: نعم، كل من تقبل الله عمله سيعطيه نصيبه من ليلة القدر. أيها الأحِبة: إذا كان قد مضى من الشهر المبارك أكثره، وعما قليل نودعه وكأن لم يكن، وتبقى الأعمال أمامنا خيرها وشرها؛ قال الله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7، 8]، وفي الحديث القدسي: «يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه»؛ (رواه مسلم).


مدار الساعة ـ