أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الفرجات يكتب: قراءة دستورية في تعديلات قانون الضمان الاجتماعي


أ.د محمد الفرجات

الفرجات يكتب: قراءة دستورية في تعديلات قانون الضمان الاجتماعي

مدار الساعة ـ

عندما يشترك المواطن في نظام تأميني ويدفع اشتراكاته لعقود طويلة، فإنه لا يدفع صدقة ولا ضريبة عابرة؛ بل يدخل في عقد اجتماعي وقانوني مع الدولة.

هذا العقد يقوم على قاعدة واضحة: يدفع المؤمن عليه اليوم ليضمن لنفسه حياة كريمة غداً.

ومن هنا نشأ الجدل الواسع في الأردن حول التعديلات المقترحة على قانون الضمان الاجتماعي، وما إذا كانت تمس حقوق المشتركين الذين بنوا قرارات حياتهم المهنية والمالية على القانون القائم.

الحكومة تؤكد أن التعديلات على قانون الضمان الاجتماعي تهدف إلى تحقيق الاستدامة المالية للنظام التأميني وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية.

وتشمل التعديلات رفع سن التقاعد تدريجياً حتى يصل إلى 65 عاماً للذكور و60 عاماً للإناث، وزيادة عدد الاشتراكات المطلوبة للتقاعد المبكر إلى 360 اشتراكاً، ورفع اشتراكات التقاعد الوجوبي إلى 240 اشتراكاً بدلاً من 180 ابتداءً من عام 2028.

من حيث المبدأ، يحق للسلطة التشريعية تعديل القوانين بما يخدم المصلحة العامة ويضمن استدامة المؤسسات.

لكن السؤال الدستوري الحقيقي لا يتعلق بحق الدولة في تعديل القانون، بل بحدود هذا الحق عندما يتعلق الأمر بحقوق تشكلت عبر سنوات طويلة من الاشتراك.

في الفقه الدستوري المقارن، يوجد مبدأ راسخ يعرف بـ حماية الحقوق المكتسبة.

ويعني ذلك أن الحقوق التي نشأت فعلياً وفق قانون نافذ لا يجوز إلغاؤها أو الانتقاص منها بأثر رجعي.

فالمواطن الذي دفع اشتراكاته طوال عشرين أو ثلاثين عاماً لم يكن يتعامل مع احتمال نظري، بل مع نظام قانوني محدد رتّب على أساسه مستقبله الاقتصادي والاجتماعي.

المشكلة هنا ليست في إصلاح النظام، بل في تغيير قواعده.

فالمشترك الذي اقترب من تحقيق شروط التقاعد وفق القانون القائم قد يجد نفسه فجأة مطالباً بسنوات إضافية أو اشتراكات أكثر، رغم أن قراراته المهنية طوال العقود الماضية بنيت على شروط مختلفة.

تدافع الحكومة عن التعديلات بالقول إن الدراسات الاكتوارية تشير إلى تحديات مالية قد تواجه النظام مستقبلاً، وأن الإصلاح المبكر يمنع اختلال التوازن بين الإيرادات والنفقات.

وهذا الطرح مفهوم من زاوية إدارة الصناديق التأمينية، لكنه لا يلغي الحاجة إلى مبدأ أساسي في العدالة التشريعية: الانتقال العادل.

فالقاعدة التي استقرت عليها كثير من الدول عند إصلاح أنظمة التقاعد هي حماية من اقتربوا من التقاعد أو من راكموا سنوات طويلة من الاشتراك، وتطبيق القواعد الجديدة تدريجياً على الأجيال اللاحقة.

هذا ليس مجرد حل سياسي، بل هو تعبير عن مبدأ الثقة بين الدولة والمواطن.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في أي نظام تأميني ليس العجز المالي فقط، بل فقدان الثقة. فحين يشعر الناس أن القواعد قد تتغير بعد أن يدفعوا اشتراكاتهم لعقود، فإن الإيمان بالنظام التأميني والتقاعدي كله يتراجع.

لذلك فإن النقاش الحقيقي اليوم ليس بين من يريد الإصلاح ومن يرفضه، بل بين نموذجين للإصلاح:

إصلاح يحقق الاستدامة المالية مع حماية الحقوق المكتسبة، وإصلاح يفرض قواعد جديدة على من التزموا بالقواعد القديمة.

الأردن يحتاج بالتأكيد إلى إصلاح أنظمة الحماية الاجتماعية، لكن الإصلاح الحقيقي لا يقوم فقط على الحسابات الاكتوارية، بل أيضاً على مبدأ العدالة الدستورية.

فالدولة القوية ليست تلك التي تغيّر القوانين بسهولة، بل تلك التي تحافظ على الثقة التي منحها المواطنون لها عبر سنوات طويلة من الالتزام.

وفي النهاية يبقى السؤال الذي يشغل آلاف الأردنيين اليوم:

هل الإصلاح المقترح سيحمي مستقبل الضمان… أم سيضعف الثقة التي يقوم عليها؟

ذلك هو التحدي الحقيقي أمام المشرّع الأردني في هذه اللحظة المفصلية.

مدار الساعة ـ