أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الخوالدة يكتب: قوة الحياد العربي في الاستنزاف الوجودي الإيراني الإسرائيلي


د. زيد احسان الخوالدة

الخوالدة يكتب: قوة الحياد العربي في الاستنزاف الوجودي الإيراني الإسرائيلي

مدار الساعة ـ

أنا أستمد معلوماتي دائمًا من قواتنا المسلحة الأردنية – الجيش العربي، وأثق بكامل ما يصدر عن قيادتنا السياسية في هذا الشأن.

في السياسة، ليست القوة دائمًا في الاندفاع نحو الصراع، بل كثيرًا ما تكمن في القدرة على الوقوف على مسافة منه. فالدولة التي تدير الملف الإيراني بقدر من الحياد الحذر، لا تفعل ذلك بدافع الضعف، بل بدافع قراءة باردة لمعادلة الاستنزاف في الإقليم. ففي الشرق الأوسط، لا تنتهي الحروب بسرعة، بل غالبًا ما تتحول إلى مسارات طويلة من الإنهاك السياسي والاقتصادي والعسكري.

لقد أظهرت تجارب المنطقة، كما في العراق وسوريا، أن الصراع حين يتشابك مع شبكات النفوذ الإقليمي والفاعلين غير النظاميين يصبح نزاعًا ممتدًا، يصعب حسمه، ويكلف أطرافه أثمانًا باهظة. ولهذا فإن الانجرار الكامل إلى مواجهة مفتوحة مع إيران قد لا يكون خيارًا حكيمًا لكثير من الدول، لأن طبيعة الصراع نفسها تميل إلى الاستنزاف لا إلى الحسم السريع.

غير أن قراءة الملف الإيراني لا تكتمل إذا نظرنا إلى إيران بوصفها دولة مركزية تقليدية فقط. فالمشهد داخل إيران أكثر تعقيدًا مما يبدو. فهذه الدولة تضم فسيفساء قومية وثقافية متعددة، من الفرس إلى الأذريين والعرب والأكراد والبلوش وغيرهم. وهذه الحقيقة تجعل أي صراع خارجي يتقاطع بالضرورة مع حسابات الداخل الإيراني.

فعلى سبيل المثال، حين تتوتر العلاقة مع أذربيجان، تبدو طهران حذرة في المضي بعيدًا في التصعيد، رغم التوترات الجيوسياسية القائمة. والسبب لا يتعلق فقط بحسابات القوة العسكرية أو التوازن الإقليمي، بل أيضًا بحقيقة أن داخل إيران نفسها مكونًا أذريًا واسعًا، يمتد اجتماعيًا وثقافيًا داخل الدولة. وهذا العامل وحده يجعل أي مواجهة مفتوحة مع أذربيجان مسألة حساسة في الحسابات الإيرانية.

هنا تتكشف إحدى المفارقات الكبرى في السياسة الإيرانية: دولة ذات مشروع إقليمي واسع، لكنها في الوقت ذاته دولة متعددة القوميات، ما يجعل أي تصعيد خارجي محسوبًا بدقة خشية ارتداداته الداخلية.

وفي هذا السياق، قد يبرز دور مهم لقوة إقليمية أخرى هي تركيا. فأنقرة بحكم موقعها الجغرافي، وارتباطها القومي والثقافي بالعالم التركي، وبحكم علاقاتها المعقدة مع طهران والغرب في آن واحد، قد تصبح لاعبًا وسيطًا أو ضابط إيقاع في المرحلة القادمة. فتركيا تدرك أن استقرار جوارها الإقليمي جزء من أمنها القومي، كما تدرك أن انهيار التوازن في إيران لن يكون حدثًا عابرًا، بل زلزالًا جيوسياسيًا يمتد أثره إلى القوقاز والشرق الأوسط معًا.

من هنا قد تتجه الأمور، بعد موجات التصعيد، إلى عودة مسار التفاوض. فالتجربة التاريخية تشير إلى أن الصراع مع إيران غالبًا ما يسير في دورات: تصعيد، ثم ضغط، ثم عودة إلى طاولة التفاوض. وهذه الدورة ليست تعبيرًا عن ضعف أحد الأطراف، بل عن إدراك الجميع أن كلفة الانفجار الكامل أعلى من كلفة التسويات المرحلية.

إن المنطقة اليوم تقف أمام مشهد شديد التعقيد: مشروع إقليمي يتعرض لضغوط، ودولة متعددة القوميات تحاول الحفاظ على تماسكها الداخلي، وقوى إقليمية تراقب بحذر، وقوى دولية تبحث عن إعادة ضبط التوازنات.

وفي مثل هذا المشهد، قد يكون الحياد المدروس أحيانًا أحد أكثر الخيارات عقلانية. فالدولة التي تحافظ على توازنها وتمنع نفسها من الانجرار إلى حروب الآخرين، تبقى في النهاية أقل استنزافًا وأكثر قدرة على قراءة التحولات القادمة.

وهنا تكمن الحكمة السياسية التي كثيرًا ما يغفلها المتحمسون للصراع:

ليس كل من يبتعد عن المعركة ضعيفًا، فبعض الحياد في السياسة قد يكون أعلى درجات القوة.

مدار الساعة ـ