مدار الساعة - إعداد: لؤي أبو ركبة :: هديل العساف :: أ.لجين البطوش
خلف أبواب المنشآت الاقتصادية والمدارس الخاصة في الأردن، تدور معارك صامتة ضحيتها المرأة العاملة. هنا، لا يُحتفى بانتظار مولود جديد، بل يُنظر إليه كـ "خطر داهم" على ميزانية المؤسسة. في هذا التحقيق، نستعرض قصصاً لنساء واجهن الإقصاء المهني بسبب الأمومة، ونكشف الفجوة العميقة بين نصوص قانونية "حاسمة" وواقع تطبيقي يترك العاملات في مواجهة مَصيرهن وحيدات.
________________________________________الالتفاف على القانون: فخ تخفيض الرواتب والحرمان من الضمان
في قصة راميا (42 عاماً)، نجد نمطاً أكثر تعقيداً من التعسف. كمعلمة قضت ثلاث سنوات في مدرستها، وُضعت مع مطلع العام الدراسي أمام خيار "الإذعان"؛ حيث أبلغتها الإدارة بقرار تخفيض الرواتب دون توقيع عقود جديدة. عندما تمسكت راميا بحقها القانوني ورفضت القرار، جاء الرد انتقامياً؛ طُلب منها تسليم عهدتها في اليوم ذاته. الأدهى من ذلك، اكتشفت راميا أن المدرسة أوقفت تسجيلها في الضمان الاجتماعي في توقيت مدروس، مما جرّدها من حقها في "بدل إجازة الأمومة" و"بدل الحضانة". تقول راميا بمرارة: "لم يكتفوا بفصلي، بل قطعوا عني حبل الأمان الوحيد الذي كنت أنتظره لأتمكن من رعاية طِفلي القادم".________________________________________التمييز عند الباب: دفتر العائلة كحاجز توظيف
أما أنوار (30 عاماً)، فتجسد قصتها "الإعدام المهني المسبق". رغم خبرتها التي تمتد لست سنوات كعاملة إنتاج، إلا أن "دفتر العائلة" كان العائق الوحيد. سارت الأمور بشكل إيجابي في مقابلة العمل بمصنع كبرى، لكن بمجرد اكتشاف موظف الموارد البشرية أن لديها طفلاً رضيعاً، تم تجميد طلبها بعبارة شفهية قاسية: "أداؤك ممتاز، لكن وجود طفل صغير يعني كثرة غيابات واعتذارات.. عودي إلينا حين يكبر طفلك". هي حالة تلخص كيف تتحول "الأمومة" إلى وصمة مهنية تُقصي المرأة من سوق العمل قبل أن تضع قدمها فيه.بيئة العمل الطاردة: عندما يصبح "التطفيش" سياسة إدارية لم تكن سجود (26 عاماً) تعلم أن فرحة انتظار مولودها الأول ستكون بداية النهاية لمسيرتها في إحدى المدارس الخاصة بعمّان. تروي سجود تفاصيل "الحصار المهني" الذي تعرضت له: "بدأت الإدارة بتكليفي بمهام تتطلب مجهوداً حركياً مضاعفاً، كنت أشعر بإنهاك شديد وأنا حامل، لكن لم يكن هناك أي مراعاة لوضعي الصحي". لم يكن هناك إنذار رسمي، بل وتيرة متصاعدة من الضغط تصفها سجود بأنها كانت "تمهيداً للإخراج". السيناريو اكتمل بعد عودتها من إجازة الأمومة؛ حيث داومت أياماً قليلة فقط قبل أن تتسلم كتاب استغناء عن خدماتها تحت بند "عدم التجديد"، لتكتشف أن "البديلة" قد استقرت في مكانها فعلياً، مما يثبت أن قرار الفصل كان مبيتاً منذ لحظة إعلان الحمل.________________________________________ماذا تقول الأرقام؟.. فجوة الصمت والبيانات الرسمية
لا تأتي هذه الحالات بمعزل عن واقع إحصائي يؤكد عمق الأزمة. توجه هذا التحقيق باستفسارات إلى الناطق الإعلامي في وزارة العمل محمد الزيود حول آلية التعامل مع شكاوى الفصل المرتبطة بالحمل. وبناءً على الاستفسار الموجه بتاريخ 29/1/2026، ورد ردٌّ خطي من مديرية التفتيش المركزية بتاريخ 1/2/2026، كشف عن معطيات رقمية هامة:● تسجيل 20 شكوى تتعلق بالفصل الصريح أثناء إجازة الأمومة.● تسجيل 48 شكوى من عاملات تتعلق بالفصل التعسفي بعد تقديم شكوى أو اتخاذ إجراء تأديبي.هذه الأرقام لا تعكس الحجم الحقيقي للمشكلة؛ فبحسب بيانات دائرة الإحصاءات العامة للربع الأول من عام 2025، بلغت نسبة البطالة بين النساء في الأردن نحو 31%، مقابل نحو 18% بين الرجال. كما تشير بيانات مؤسسة الضمان الاجتماعي لعام 2023 إلى أن نحو 11 ألف امرأة فقط استفدن من بدل إجازة الأمومة، وهو رقم ضئيل مقارنة بحجم القوى النسائية العاملة.عالمياً، تتقاطع هذه النتائج مع تقرير البنك الدولي "Women, Business and the Law 2024"، الذي أشار إلى استمرار الفجوة بين التشريعات الورقية والتطبيق الفعلي، مؤكداً أن النساء لا يزلن الأكثر عرضة للتأثر مهنياً بعد الإنجاب، حيث أفادت قرابة 45% من النساء في دراسات حديثة بتعرضهن لتغييرات سلبية في العمل أثناء الحمل.بين النص والتطبيق: ماذا يقول القانون الأردني؟رغم أن الحالات السابقة بدت متشابهة في نتائجها الكارثية على حياة النساء، إلا أن الإطار القانوني الأردني ينص صراحة على حماية المرأة العاملة خلال الحمل وبعد الولادة، غير أن التحقيق يكشف عن "هوة" سحيقة بين النص الإلزامي والممارسة الميدانية.تنص المادة (27) من قانون العمل الأردني رقم (8) لسنة 1996 وتعديلاته صراحة على أنه: «لا يجوز لصاحب العمل إنهاء خدمة العاملة الحامل ابتداءً من الشهر السادس من حملها أو خلال إجازة الأمومة». هذا النص، الذي يُفترض أن يكون درعاً حامياً، يصطدم بواقع استغلال ثغرة "انقضاء مدة العقد" أو دفع العاملة للاستقالة تحت الضغط المهني.كما تؤكد المادة (70) من القانون ذاته على حق أصيل غير قابل للتفاوض، وهو: «للمرأة العاملة الحق في إجازة أمومة بأجر كامل قبل الوضع وبعده مجموع مدتها عشرة أسابيع، على أن لا تقل المدة التي تقع بعد الوضع عن ستة أسابيع». وفي محاولة لضمان وصول النساء للعدالة دون عوائق مالية، أقر المشرع في المادة (137/د/1) إعفاء العامل من الرسوم القضائية في الدعاوى العمالية، بينما نظمت المادة (138) مدد تقادم الدعاوى بحيث لا تُسمع بعض الحقوق بعد مرور سنتين من تاريخ نشوء الحق، وهو ما قد يسقط حقوق الكثيرات في حال التأخر باللجوء للقضاء.يوضح المحامي المختص بقضايا العمل، مختار الشطرات، في مقابلة أجراها التحقيق، أن النصوص واضحة من حيث المبدأ، لكن الإشكال يكمن في "قواعد الإثبات". ويؤكد الشطرات أن أي إنهاء خدمة يثبت ارتباطه بالحمل أو إجازة الأمومة يُعد مخالفاً للقانون، كما أن تعديل الراتب أو شروط العمل بشكل جوهري دون موافقة صريحة من العامل لا ينسجم مع أحكام قانون العمل. ويلفت الشطرات النظر إلى قضية خطيرة، وهي إيقاف تسجيل العاملة في الضمان؛ حيث يشير إلى أن استحقاق بدل إجازة الأمومة يرتبط عضوياً باستمرار الشمول بالتأمين، ما يجعل توقيت الإيقاف "فعلاً كيدياً" يُفقد العاملة حقوقها المالية في اللحظة التي تكون فيها بأمسّ الحاجة إليها.________________________________________قراءة حقوقية: "نوثق عشرات الحالات سنوياً"
تضع ليندا الكلش، المديرة التنفيذية لمركز "تمكين" للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان، هذه الانتهاكات في سياق "ثقافة عمل إقصائية". تقول الكلش في مقابلة مطولة أجراها التحقيق: "نحن في مركز تمكين نوثق عشرات الحالات سنوياً لنساء تم فصلهن أو تَهميشهن بمجرد إعلان حَملهن، لكن الرقم الدقيق يصعب حصره وطنياً؛ لأن كثيراً من النساء يفضلن الانسحاب بصمت على خوض مَعارك قضائية طويلة ومكلفة نفسياً".تفصّل الكلش في أنماط الانتهاكات، مؤكدة أنها تتكرر بصورة ملحوظة في قطاعات محددة، أبرزها المدارس الخاصة، قطاع الخدمات، والمصانع الصغيرة والمتوسطة. وترى الكلش أن هذه القطاعات تتأثر بثقافة عمل تضع "الإنتاجية المادية" والكلفة في المقدمة، ما يجعل الحمل يُنظر إليه كـ "عبء اقتصادي"، ليس فقط بسبب إجازة الأمومة المدفوعة من الضمان، بل بسبب "تكلفة البديل المؤقت" وحق "ساعة الرضاعة".تكشف الكلش عن وجه أكثر قسوة لهذه الانتهاكات؛ حيث لا يلجأ أصحاب العمل دوماً للفصل المباشر، بل يعتمدون سياسة "خلق بيئة عمل طاردة". ويشمل ذلك تهميش العاملة، أو دفعها للقيام بمهام لا تتناسب مع وضعها الصحي لإرغامها نحو الاستقالة "الطوعية". وتضيف بلهجة حادة: "لقد رصدنا عقود عمل تتضمن بنوداً تشترط عدم الحمل خلال فترة الخدمة، وهو ما نعتبره انتهاكاً صارخاً للحقوق الآدمية والدستورية، وضرباً لأُسس الاستقرار الوظيفي للمرأة الأردنية".وتختتم الكلش رؤيتها بالتحذير من أن النساء في "القطاع غير المنظم" يواجهن مصيراً أسوأ، لغياب أي حماية تأمينية أو اجتماعية، معتبرة أن استمرار هذه الممارسات لا يعود لغياب التشريعات، بل لضعف آليات المساءلة وتكرار نمط يُقصي الأمومة من بيئة العمل بشكل غير معلن، مما يجعل نسبة إعادة العاملات إلى عملهن بعد القضاء منخفضة جداً.________________________________________عندما تهزم 'الثغرات' عدالة النصوص
لا تنتهي حكايات سجود وراميا وأنوار بانتهاء جولة التفتيش أو صدور قرار قضائي متأخر؛ فهي قصص تعكس خللاً بنيوياً في "فلترة" النساء من سوق العمل بمجرد ممارستهن لحقهن الطبيعي في الأمومة. وبينما تتكفل التشريعات الأردنية بنصوص تحمي الحوامل، تكشف الوقائع أن "دفتر العائلة" لا يزال يعمل كـ "مقصلة" طموح، وأن ثغرات العقود المحددة المدة والضغوط غير المباشرة باتت أقوى من سلطة القانون.إن استمرار هذا النمط من الإقصاء الممنهج، في ظل نسبة بطالة نسائية تتجاوز الـ 31%، يضع الجهات الرقابية أمام استحقاق أخلاقي قبل أن يكون قانونياً. فالحماية التي توفرها المادة (27) تبقى "حبراً على ورق" ما لم تقترن برقابة استباقية تجرّم التمييز عند التوظيف وتوقف تغول أصحاب العمل على اشتراكات الضمان. وحتى يتحقق ذلك، سيبقى الحمل في سوق العمل الأردني "مخاطرة مهنية" غير محسوبة، تضطر فيها النساء لدفع ثمن مستقبلهن الوظيفي مقابل حقهن في الإنجاب.________________________________________











