إعداد:د. مصطفى التل , المهندس رائد الصعوب (الأمين العام للاتحاد العربي للأسمدة) السابق
هذه الورقة هي : أ - تعديلات مقترحة على مشروع قانون الضمان الاجتماعي لسنة 2026 ب- صمامات أمان تشريعية لضمان الاستدامة الدستورية والاجتماعيةج – مقدمة إلى السادة أعضاء مجلس النواب الأردنيأولاً: لماذا هذه الورقة؟لأن مشروعاً يمسّ شروط التقاعد والاشتراكات لملايين الأردنيين لا يُدار بمنطق "تصحيح مالي فقط"، بل بمنطق عقد اجتماعي: استدامة مالية + عدالة انتقالية + ثقة مشروعة + حوكمة شفافة.الهدف هنا ليس تعطيل الإصلاح، بل تحويله من "جرعة قاسية" إلى "إصلاح قابل للمرور والعيش". نؤيد الاستدامة، لكننا نرفضها ككلفة اجتماعية صامتة؛ الإصلاح يمر إذا اقترن بصمامات أمان تحمي الحقوق والحد الأدنى.ثانياً: مكامن الإشكال – لماذا يواجه مشروع القانون رفضاً؟1 - غياب الأمن القانوني والأثر الرجعي الفعليرفع سن التقاعد وشروط المبكر على فئات قطعت شوطاً كبيراً في مسارها التأميني يزعزع الثقة ويفتح باب الطعن القضائي. المؤمن عليه الذي أمضى نصف مساره التأميني على وعد تشريعي بأن شروط التقاعد المبكر تسمح له بالخروج بعد 25 سنة، يفاجأ بأن القانون الجديد يرفع الشرط إلى 30 سنة دون آليات انتقال تحمي ما قطعه من شوط. هذا ليس أثراً رجعياً شكلياً، بل أثر رجعي فعلي يمس الثقة المشروعة المستقرة في القضاء الدستوري.2 - التفاوت في الفترات الانتقاليةالتمييز بين المؤمن عليهم استناداً إلى تواريخ الميلاد أو فترات انتقال قصيرة، دون أدوات تدرّج عادلة كالتقاعد المرن أو الحماية الجزئية للقريبين من الاستحقاق، يخلق تفاوتاً غير متناسب بين مؤمن عليهم متقاربين في العمر والاشتراكات. مؤمنان عليهما اشتركا في النظام لعشرين سنة ودفعا نفس الاشتراكات، سيخرج أحدهما بتقاعد مبكر والآخر سيضطر للانتظار سنوات إضافية، فقط لأن تاريخ ميلاده متأخر ببضعة أشهر. هذا التمييز الزمني دون مبرر موضوعي يمس مبدأ المساواة أمام القانون.3 - التفويض الأبيض والتعليماتإحالة مسائل تمس جوهر الحقوق والالتزامات كشمول فئات جديدة وتحديد الأجر الخاضع للاقتطاع والتأمينات المشمولة إلى "تعليمات" يصدرها المجلس دون معايير دنيا، يخلق حالة تفويض غير منضبط، بما قد يمس مبدأ فصل السلطات ويحول المجلس إلى هيئة تشريعية موازية دون رقابة برلمانية. هذا التفويض المفتوح يخلق "تشريعاً موازياً" بمعزل عن الرقابة النيابية، ويفتح الباب للاجتهادات التي قد تصل إلى حد إساءة استعمال السلطة.4 - تركيز الصلاحيات دون كوابح حوكمة ملزمةاستحداث منصب محافظ ونائبين خطوة إيجابية نحو الاستقلالية، لكنها تبقى شكلية ما لم ترافقه "كوابح" حقيقية: صلاحيات غير قابلة للتفويض، نصوص ملزمة لمنع تضارب المصالح، إفصاح إلزامي، وتقارير علنية دورية. غياب هذه الكوابح يحوّل الاستقلالية إلى "تفويض مطلق" يخل بالتوازن بين السلطات داخل المؤسسة.5 - الإعفاءات المطلقةالنصوص التي تمنح إعفاءات ضريبية ومالية عامة دون تحديد موضوعي أو سقف معياري، كالإعفاء من "جميع الضرائب والرسوم" وصلاحية الإعفاء من الغرامات دون معايير واضحة، قد تثير إشكالات تتعلق بعدالة توزيع الأعباء العامة وتكافؤ الفرص، وتفتح الباب للشبهات حول تحول الإعفاءات إلى امتيازات غير مبررة.6 - تحويل التعطل إلى عقوبة على الضعفاءتحويل حساب التعطل إلى حساب ادخاري يُسترد رصيده المدين من المنافع اللاحقة، يحوّل التأمين الاجتماعي إلى عقوبة مالية على الفئات الأضعف. العامل الذي فقد وظيفته قسراً سيجد نفسه مضطراً لسداد مديونية من راتب تقاعده المستقبلي، مما يزيد من العمل غير المنظم ويدفع الناس للتهرب من النظام. هذه الفلسفة تحوّل "الحماية الاجتماعية" إلى "عبء لاحق".7 - قسوة خصم المبكر مع رفع السن المرجعيمع رفع السن الوجوبي تدريجياً، يصبح خصم المبكر (2% لكل 6 أشهر) أشد قسوة على الفئات التي تتقاعد بعمر 55-60 عاماً. الخصم الثابت لا يراعي الفروق الفردية في متوسط العمر المتوقع ولا الظروف الخاصة، مما يقوض فكرة التقاعد المبكر كخيار مشروع ويدفع الناس للتهرب أو العمل في الظل.ثالثاً: صمامات الأمان – التعديلات المقترحة: الصمام الأول: إلزامية البيان الاكتواري العلنييُضاف بعد المادة (1) من مشروع القانون مادة جديدة (1 مكررة) تلزم الحكومة والمؤسسة بإعداد بيان أثر اكتواري مختصر وعلني عند إحالة أي مشروع تعديل جوهري يمس سن التقاعد أو شروط التقاعد المبكر أو نسب الاحتساب أو الاشتراكات أو الجداول التأمينية. يجب أن يتضمن البيان الفرضيات الأساسية، وسيناريوهات الحساسية، وأثر التعديل على الاحتياطي ونقاط التعادل، وتوزيع الأثر على الفئات العمرية والأجرية. يُنشر البيان على الموقع الرسمي للمؤسسة وموقع ديوان التشريع والرأي قبل الإحالة النهائية لمجلس الأمة بمدة لا تقل عن 30 يوماً، لضمان مشاركة مجتمعية حقيقية وقرار مبني على أسس علمية.الصمام الثاني: منع التفويض الأبيضيُعدل نص المادة (4/ج) باستبدال عبارة "بموجب تعليمات" بعبارة "بموجب نظام"، مع إضافة قيد معياري يلزم أن يحدد النظام على وجه الخصوص: التأمينات المشمولة لكل فئة، والحد الأدنى للأجر الخاضع للاقتطاع وآلية احتسابه، وآليات التحصيل والتبليغ والتفتيش وضمانات حماية العامل، وقواعد الاعتراض والتظلم والمواعيد اللازمة لذلك. هذا يعيد تحديد المسائل الجوهرية ضمن الإطار التشريعي الخاضع للرقابة البرلمانية.الصمام الثالث: كوابح حوكمة ملزمةيُضاف بعد المادة (11) مادة جديدة (11 مكررة) تحدد صلاحيات غير قابلة للتفويض، تشمل: إقرار السياسات العامة للتأمينات والسياسات الاستثمارية، إقرار سياسة المخاطر وحدود التركز، إقرار الموازنة والحسابات الختامية، تعيين المدقق الخارجي والخبراء الاكتواريين، وإقرار سياسة تضارب المصالح. كما يُلزم النص كل عضو في مجلس الإدارة والمجالس المنبثقة عنه والإدارة العليا بتقديم إقرار مصالح سنوي، ويحظر عليهم المشاركة في المداولات أو التصويت عند قيام تعارض مصالح. كما تلتزم المؤسسة بنشر تقارير ربع سنوية عن أوضاعها التأمينية والاستثمارية والمالية.كما يُعدل نص المادة (98/ج) بإضافة قيد على صلاحية الحصول على المعلومات، بحيث تكون طلبات المعلومات محددة بقدر الحاجة، وتوثق في سجل رسمي يخضع لرقابة التدقيق، ولا تُستخدم إلا لغايات تطبيق القانون، مع مراعاة تشريعات حماية البيانات وعدم المساس بسرية العمليات المصرفية إلا وفق أحكامها.الصمام الرابع: تقييد الإعفاءات بمعايير موضوعيةيُعدل نص المادة (94) بحصر الإعفاءات الضريبية والرسوم بالأغراض المرتبطة بحماية أموال المؤمن عليهم وأداء مهام المؤسسة، وحذف العبارات المطلقة غير المحددة كالإعفاء من "جميع الضرائب والرسوم". كما يُشترط قرار مسبب لأي إعفاء من غرامات أو فوائد ناتجة عن العمليات الاستثمارية، مع إلزام المجلس بنشر تقرير سنوي مجمع عن الإعفاءات الممنوحة وعددها وقيمتها وأسبابها، دون إفشاء أسرار تجارية. هذا يحقق العدالة والشفافية ويقلل الشبهات.الصمام الخامس: إدخال نظام التقاعد المرنيُضاف بعد المادة (62) مادة جديدة (62 مكررة) تتيح للمؤمن عليه عند بلوغ سن يحددها النظام طلب تقاعد مرن، بحيث يصرف له ما لا يزيد عن 50% من راتبه التقاعدي المستحق، مع الاستمرار بالعمل المشمول بأحكام القانون، وتُحتسب الاشتراكات اللاحقة لزيادة الراتب عند بلوغ السن القانونية. هذا الخيار الوسط يخفف أثر رفع السن ويقلل التهرب ويدعم سوق العمل، ويوفر جسراً بين العمل والتقاعد بدلاً من صدمة "إما عمل كامل أو لا تقاعد".الصمام السادس: رصيد الرعاية (Care Credits)يُضاف ضمن الفصل الخاص بالتقاعد نص يلزم باحتساب مدد الرعاية (إجازة الأمومة، إجازة رعاية الطفل، إجازة رعاية المُعال) كمدد اشتراك اعتبارية ضمن سقف وشروط يحددها النظام، وذلك لغايات استكمال شرط الاشتراكات الفعلية المطلوبة لاستحقاق أي من المنافع التأمينية، وبما لا يخل بالملاءة المالية للنظام. هذا يعترف بقيمة الرعاية كعمل ذي مسؤولية اجتماعية، ويحمي المرأة من فجوات الانقطاع التي تمنعها من استكمال الاشتراكات الفعلية المطلوبة.الصمام السابع: خصم مبكر محايد اكتوارياً مع مراجعة دوريةيُعدل نص المادة (64/ب/3) باستبدال الخصم الثابت بمعامل خصم اكتواري يراعي العمر عند تقديم الطلب، ومتوسط العمر المتوقع وفقاً لأحدث الجداول السكانية، ومعدل الخصم المعتمد، وبما يحقق الحياد الاكتواري. على أن يُراجع معامل الخصم كل ثلاث سنوات بناءً على دراسة اكتوارية تنشر خلاصتها للعموم، ويصدر به نظام خاص. هذا يحقق العدالة والتناسب بين من يتقاعدون في أعمار مختلفة، ويمنع خصومات "صادمة" قد تنتج عن الخصم الجامد.الصمام الثامن: حماية الحد الأدنى في تأمين التعطليُضاف إلى المادة (57) فقرة جديدة تنص على عدم جواز استرداد أي مبالغ من راتب التقاعد أو الاعتلال أو تعويض الدفعة الواحدة إذا أدى الاسترداد إلى نزول قيمة المنفعة عن الحد الأدنى القانوني البالغ 200 دينار شهرياً. وفي غير ذلك، لا يتجاوز الاسترداد 10% من قيمة المنفعة شهرياً، وبقرار معلل، مع إمكانية التقسيط. كما تُستثنى من أحكام الاسترداد حالات الوفاة والعجز الكلي الدائم، وأي حالات اجتماعية أخرى يحددها النظام. هذا يمنع تحول تأمين التعطل إلى عبء لاحق على الفئات الأضعف.الصمام التاسع: حماية حد الـ 200 دينار في الجمع بين الراتب والأجريُضاف إلى المادة (85) والجدول (7) نصوص صريحة تنص على أنه على الرغم مما ورد في الجدول (7)، لا يجوز أن يؤدي تطبيق نسب الجمع بين راتب التقاعد المبكر والأجر من العمل إلى خفض الجزء المصروف من الراتب إلى ما دون 200 دينار شهرياً لمن تنطبق عليه أحكام الحد الأدنى لراتب التقاعد. كما يراعى عند تطبيق الجدول مستوى الأجر الخاضع للاقتطاع عند العودة للعمل، وفق معايير يضعها المجلس تشجع العودة الرسمية وتقلل حوافز التهرب. وتلتزم المنشآت التي تستخدم متقاعدين مبكرين بإشعار المؤسسة إلكترونياً خلال مدة لا تتجاوز خمسة عشر يوماً من تاريخ الالتحاق، مع تبادل البيانات بين المؤسسة وأصحاب العمل، وتقرير جزاءات واضحة على عدم الإشعار.رابعاً: الأثر المتوقع لاعتماد الصماماتاعتماد هذه التعديلات يؤدي إلى تعزيز الحصانة الدستورية للقانون بمعالجة الإشكالات المتعلقة بالثقة المشروعة والمساواة والتفويض التشريعي، ورفع مستوى الشفافية والمساءلة من خلال إلزامية البيان الاكتواري والإفصاح عن المصالح والإعفاءات، وحماية الفئات القريبة من الاستحقاق عبر آليات انتقال عادلة كالتقاعد المرن ورصيد الرعاية، وتقليل احتمالات الطعن القضائي بتحصين القانون دستورياً وإجرائياً، وزيادة القبول المجتمعي من خلال تحقيق توازن بين متطلبات الاستدامة وحماية الحقوق، ودعم الاستدامة المالية على أسس عادلة دون تحميل الفئات الأضعف أعباء غير متناسبة.خامساً: الخلاصة – رسالة إلى المشترعيننحن مع الاستدامة المالية، لكننا نرفضها ككلفة اجتماعية صامتة تتحملها الفئات الأضعف. الإصلاح الحقيقي هو الذي يوازن بين متطلبات الملاءة المالية وحماية الحقوق المكتسبة والثقة المشروعة.الصمامات المقترحة لا تعطل أهداف الإصلاح، بل تجعله أكثر عدالة، وأكثر شفافية، وأكثر استدامة، وأقل عرضة للطعن والرفض.إن اعتماد هذه التعديلات يشكّل ممارسة رقابية مسؤولة، توازن بين مقتضيات الإدارة المالية وحماية الحقوق التأمينية للمواطنين، وتحوّل القانون من "إصلاح تقني" قد يواجه رفضاً مجتمعياً وطعوناً دستورية، إلى "عقد اجتماعي متوازن" يحظى بقبول وطني واسع.الاستدامة الحقيقية هي التي تحمي الناس، لا التي تحمي الأرقام على حسابهم.










