أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

قراءة في مقابلة معالي عمر ملحس, بين مسؤولية الدولة وإدارة الضمان الاجتماعي


د. مصطفى التل

قراءة في مقابلة معالي عمر ملحس, بين مسؤولية الدولة وإدارة الضمان الاجتماعي

مدار الساعة ـ

عندما جلس عمر ملحس( رئيس صندوق استثمار الضمان الاجتماعي) على قناة رؤيا ليُجيب على أسئلة المواطنين، كان يحمل في جعبته أرقامًا تبدو وكأنها من عالم آخر.

تحدث عن موجودات وصلت إلى 18.6 مليار دينار، وأرباح تراكمية بلغت 10.8 مليار، وعوائد سنوية قفزت في العام الماضي إلى 13%.

الصورة التي رسمها كانت لمؤسسة مالية عملاقة، تُدار بكفاءة وشفافية، وتنوع استثماراتها بين السندات والأسهم والعقار بحكمة المستثمر المحترف.

السندات وحدها تشكل 55% من المحفظة كملاذ آمن، والأسهم تحقق قفزات نوعية، والعقار حقق أرباحًا تراكمية 340 مليون، وهناك سيولة نقدية تبلغ 2.3 مليار دينار موزعة في البنوك.

بلغة الأرقام، هذا الصندوق في حالة ممتازة، وعوائده جيدة، وإدارته مهنية ضمن سياسة واستراتيجية واضحة.

لكن المشاهد الذي يتابع الشأن العام، وقف أمام مفارقة صارخة: إذا كان الصندوق بهذه القوة الخارقة، فلماذا يحدثنا السياسيون عن ضرورة تعديل قانون الضمان؟! لماذا فتح ملف زيادة سن التقاعد ورفع الاشتراكات؟! , أليست هذه المليارات العشرة درعًا واقيًا ضد أي أزمات مستقبلية؟!

الخالدي مقدم البرنامج، طرح هذا السؤال الشعبي مباشرة: "إذا الاستثمار ممتاز، لماذا تعدلون القانون وتزيدون سنوات الاشتراك؟! "

هنا وضع ملحس خطاً فاصلاً مهماً، لعله أهم ما خرجت به المقابلة: التعديلات المقترحة على القانون لا علاقة لها بصندوق الاستثمار، ولا سببها الاستثمار على الإطلاق , التعديل يتعلق بالشق التأميني بحت، وتحديداً ما أسماه "دفع نقطة التعادل الأولى" إلى الأمام.

شرح هذه النقطة ببساطة: هي اللحظة التي تتساوى فيها الإيرادات التأمينية من الاشتراكات مع النفقات التأمينية من رواتب التقاعد.

هذا التفريق يخلق حالة من الانفصام بين الواقع المتخيل والواقع الفعلي, بينما يطمئننا الذراع الاستثماري للضمان بقوته، يصرخ الذراع التأميني بأن الخطر يقترب.

لفهم هذه المفارقة علينا تشريح جسم الضمان الاجتماعي إلى عضوين منفصلين لكل منه منطقه وأزمته.

العضو الأول هو المستثمر الماهر: صندوق الاستثمار الذي يعمل بكفاءة عالية ويدير أصولاً ضخمة، وينوعها بين سندات حكومية كملاذ آمن، وأسهم في شركات رابحة مثل الفوسفات والبوتاس، وعقارات، ونقد سائل.

حديث ملحس عن "تشكيلة أعمار المشتركين" حيث متوسط أعمارهم 30-31 عاماً، وعن "الاستثمار طويل الأجل" الممتد لثلاثين سنة، يؤكد أن هذه الأموال تُدار بمنطق مؤسسي سليم يراعي آجال الالتزامات المستقبلية.

بل إنه اعترف بوجود تقلبات طبيعية مثل التي حدثت في 2006-2007، ليعزز مصداقيته ويعترف بأن إدارة استثمار بهذا الحجم لا تخلو من الهزات، لكنها تظل ضمن المسار العام التصاعدي, باختصار هذا العضو غني، ويبدو أن إدارته على قدر كبير من المسؤولية.

أما العضو الثاني فهو النظام التأميني، الذي يعاني من مرض مزمن, مشكلته الأساسية أنه يواجه قنبلة ديموغرافية صامتة.

عدد المتقاعدين يتزايد باستمرار، وأعمارهم تطول بفضل تحسن الرعاية الصحية، مما يعني أن سنوات صرف الرواتب تزداد.

في المقابل، قاعدة المشتركين الجدد من الشباب تتآكل بسبب البطالة المرتفعة وهجرة العقول , النتيجة أن نقطة التعادل الأولى، حيث تبدأ المصروفات بتجاوز الإيرادات، تقترب بسرعة.

هنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: لماذا لا تسد أرباح الاستثمار الضخمة هذا العجز المتوقع؟! لماذا لا تكون هذه المليارات كافية لحماية النظام؟!

يظن المواطن أن هذه الأموال هي وعاء واحد، لكن المنطق المالي يفصل بين المخزون والتدفق.

صندوق الاستثمار هو المخزون، الكمية المتراكمة من الأموال التي تبلغ 18.6 مليار , هذا المخزون الضخم يمنحنا راحة نفسية، لكنه ليس غير قابل للنفاد.

أما النظام التأميني فهو التدفق، الإيرادات والمصروفات السنوية , الخطر الحقيقي هو أن العجز السنوي المتوقع في نظام التأمين سيبدأ في أكل هذا المخزون.

بمعنى آخر، سنضطر إلى بيع جزء من استثماراتنا أو أرباحها كل عام لدفع رواتب المتقاعدين , السيناريو المخيف الذي يرسمه الخبراء الاكتواريون هو أنه إذا تركنا هذا العجز ينمو دون ضبط، من خلال رفع سن التقاعد أو زيادة الاشتراكات، فإن الـ 18.6 مليار الحالية، رغم عوائدها الجيدة التي قد تصل إلى 13% في سنة معينة، قد تتبدد خلال عقود قليلة. إنها معجزة مالية أن تجعل 10 مليارات تنمو، ولكنها ليست كافية لمواجهة تسونامي من المتقاعدين.

ما فعلته مقابلة عمر ملحس على قناة رؤيا هو فصل لرسالة ذكية جداً مفادها : لا تخلطوا بين نجاحنا الاستثماري وحاجتنا للإصلاح التأميني, نجاحنا لا يعني أن المشكلة غير موجودة.

هذا الفصل صحيح على المستوى الفني، لكنه يفتح باباً لأسئلة أكبر, إذا كنا نعلم بهذه الفجوة التأمينية منذ سنوات، فلماذا لم نخطط لها باستثماراتنا الضخمة؟!

الجواب أن الاستثمار مهما بلغت قوته لا يستطيع إصلاح خلل هيكلي في هرم السكان , وإذا كنا بحاجة للتعديل الآن رغم هذه الثروة، فماذا سنفعل عندما نبدأ بأكل رأس المال فعلياً؟!

هنا نصل إلى السؤال الأكثر إزعاجاً، السؤال الذي ظل معلقاً في الهواء حتى بعد أن أطفأت كاميرات رؤيا وانتهت المقابلة.

عمر ملحس نجح في إقناعنا أن أموالنا في أيدٍ أمينة من ناحية الاستثمار, الأرقام التي قدمها كانت دقيقة ومفصلة، وآلية العمل التي شرحها أكدت وجود سياسة استثمارية واضحة ومجلس استثمار يتخذ القرارات ضمن درجات مخاطر مقبولة.

لكن يده اليمنى، الذراع الاستثماري، تمتلئ بالمال وتحقق الأرباح وتنوع المحفظة وتدير المخاطر بكفاءة. في المقابل، يده اليسرى، الذراع التأميني، تستجدي الإصلاح وتستبق العجز القادم.

مَن يضمن لنا أن "التسونامي التأميني" القادم، الناتج عن اختلالات ديموغرافية عميقة، لن يجرف كل هذه الأماني الاستثمارية معه؟!

مَن المسؤول عن إيقاظ هذه اليد اليسرى قبل فوات الأوان، وإدارتها بنفس الكفاءة والشفافية والمهنية التي تدار بها اليد اليمنى اليوم؟! التحدي الأكبر لم يعد ماليًا بحتًا، بل تحديًا ديموغرافيًا واقتصاديًا بامتياز.

لا يمكن حل أزمة الضمان بمعزل عن حل أزمة البطالة وتحفيز النمو الاقتصادي لتوفير مشتركين جدد , لا يمكن للاستثمار وحده، مهما بلغت عوائده، أن يعالج حقيقة أن عدد المسجلين الجدد في سوق العمل لا يكفي لمواكبة عدد المتقاعدين , وهذه ليست مسؤولية صندوق الاستثمار، بل مسؤولية الدولة بأكملها.

مدار الساعة ـ