إن مما لا شك فيه أنّ "ترامب" ظاهرة استثنائية في تاريخ الرئاسات الأمريكية فهو لم يتردد في تبني مقاربات سياسية غير مألوفة في عالم السياسة الأمريكية وتعاملاتها الدولية، ويكفي أن نتذكر تهديداته بضم جزيرة "غرينلاند" (التي تتبع مملكة الدنمارك عضو حلف الناتو)، وإلحاق كندا بالولايات المتحدة (بمساحة تزيد عن9 مليون كم2 وعدد سكان يزيد عن 40 مليون نسمّة)، ناهيك عن اعتماده سياسة (السلام من خلال القوة)، وتهميشه لحلفاء الولايات المتحدة (سواء في حلف شمال الأطلسي أو الاتحاد الأوروبي)، وكل ذلك مشفوع بسياسة "التنمر" على الدول والرؤساء، وإعلان حرب تجارية على العالم أجمع، بما في ذلك حلفاء الولايات المتحدة التقليديين (الاتحاد الأوروبي، كندا، اليابان، كوريا الجنوبية...).
ولكن... هل سوف تنجح سياسة ترامب هذه في خدمة مصالح الولايات المتحدة كقوة كبرى ذات نفوذ عالمي، أم أنها يمكن أن تحقق بعض النجاحات التكتيكية، ولكنها بالقطع لن تنجح استراتيجياً في الحفاظ على قوة ونفوذ هذه القوة الكونية؟ إنّ استقراءً مُعمقاً لسياسات ترامب ومقارباته للأزمات تحمل بذور الفشل على المدى البعيد أكثر مما تحمل بذور النجاح، ولعلّ الشواهد الآتية دليل على ذلك: أولاً: لقد زعم ترامب أنه أوقف تسعة حروب حتى الآن، وإذا دققنا فإنّنا نجد أنّ كثيراً من هذه الحروب ما زالت مستمرة، ولعلّ الحرب الوحيدة التي أوقفها بالفعل هي الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وهو وقف محفوف بالمخاطر، وتظل الحرب الكبرى التي وعد بإيقافها في يوم واحد وهي الحرب الروسية الأوكرانية أخطر الحروب الدائرة الآن، وهناك شكوك حقيقية حول إمكانية إيقافها ما لم تستسلم أوكرانيا واقعياً للشروط الروسية، وهو في غير مصلحة الولايات المتحدة والغرب عموماً المدى البعيد. ثانياً: ابتعاد كثير من الدول الحليفة تقليدياً عن الولايات المتحدة وبحثها عن حلفاء آخرين فكندا مثلاً بدأت تعقد اتفاقيات تعاون مع إندونيسيا والمكسيك ورابطة الآسيان، وكذلك الاتحاد الأوروبي، وفيتنام التي كانت تريد تعميق شراكتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة استدارت وبدأت تتعاقد مع الصين وروسيا، بل وحتى اليابان وكوريا الجنوبية بدأت تتفاهم مع الصين لتعميق التعاون الاقتصادي فيما بينها! ثالثاً: تضاؤل الاستثمارات "التريليونية" التي وعد بها ترامب وعدم انعكاسها واقعياً على الوضع الاقتصادي للمواطن الأمريكي الذي ما زال يعاني من ارتفاع الأسعار ومعدلات التضخم، والواقع أن كثيرين يَخْشَون أن الأموال المَهُولة التي وعد بها ترامب الشعب الأمريكي بسبب "ابتزازه" للكثير من الدول، وحروبه التجارية غير المسبوقة، قد لا تأتي بالمستوى المطلوب، هذا إن أتتْ أصلاً! رابعاً: لقد سخر ترامب من قواعد السلوك الدولي، ووضع جانباً "القانون الدولي"، و"القانون الدولي الإنساني"، وأراد "لمجلس السلام" الذي اخترعه أن يحلّ واقعياً محل الأمم المتحدة كمنظمة عالمية مسؤولة عن السلم والأمن الدوليين، ولكن الواقع يشير إلى أنه لن ينجح في هذا المسار، ولا مجال لتحقيق ذلك بغير "توافقات" معينة من جميع الدول النافذة في العالم (الأقطاب المتعددة الجديدة)، وقد يكون الأسوأ بالنسبة للولايات المتحدة أنها بسلوك إدارتها "الترامبية" قد أفسحت المجال للقوى الكبرى الأخرى كالصين مثلاً لكي تؤسس لتعاملات دولية قائمة على التواضع، والاحترام، وضبط النفس، وتكريس قاعدة أن العالم يتسع للجميع. خامساً: إنّ ارتدادات سياسة ترامب التي تطبقها إدارته الآن، سوف تصيب في الصميم ما يُسمى بالقوة الناعمة (Power Soft) للولايات المتحدة، التي قدمت نفسها تقليديا، ومنذ الحرب العالمية الثانية، على أنها "أيقونة الديمقراطية" و"حقوق الإنسان" و"الحريات"، فكيف لهذه المفاهيم أن تتسق مع شعار "السلام من خلال القوة"؟ وتهميش الحلفاء؟، والتنمر على الزعماء؟، وإيقاع العقوبات على محكمة الجنايات الدولية وقضاتها! هل ظاهرة "ترامب" ظاهرة استثنائية بالفعل مرتبطة بشخصه أم بحزبه الجمهوري، أم بقاعدته (America Great Again Make) أم إنها انعكاسات حقيقية لتوجهات الشعب الأمريكي الذي انتخبه (فاز في المجمع الانتخابي وبالأصوات الشعبية)؟ لا أحد يستطيع أن يقدم إجابة قاطعة ما لم تنتهِ ولاية ترامب بعد ثلاث سنوات تقريباً وتتبلور توجهات الإدارة الجديدة، ولكن ما هو مؤكد -وبغض النظر عن ماهية الإدارة القادمة (بعد ترامب)- هو أن هذه "الظاهرة الترامبية" الاستثنائية لن تكون في صالح الولايات المتحدة على المدى البعيد، ومن يَعشْ يرَ.بطاح يكتب: هل ستنجح سياسات ترامب على المدى البعيد؟
مدار الساعة ـ