شهد الأردن منذ تسعينيات القرن الماضي تحولات مهمة في سياساته الإقتصادية، خاصة فيما يتعلق بتحرير التجارة والدخول في الإتفاقيات الدولية ذات العلاقة، الأمر الذي شمل القطاع الزراعي بشكل مباشر. ومع تصاعد المنافسة العالمية وإرتفاع تكاليف الإنتاج والشحن والنقل، برزت الحاجة إلى تدخل حكومي مباشر لدعم الصادرات الزراعية وتمكين المنتج الأردني من النفاذ إلى الأسواق الخارجية بكفاءة أكبر.
وخلال السنوات الأخيرة، تطور برنامج دعم الصادرات الزراعية الأردنية بصورة ملحوظة، لا سيما في جانب تغطية تكاليف الشحن. فقد أُطلق برنامج لدعم تكاليف الشحن بنسبة 50% للشحن الجوي والبحري بهدف تخفيف الأعباء اللوجستية على المصدرين وفتح أسواق جديدة. وفي بداية عام 2025 وإستجابة لإرتفاع تكاليف التصدير والتحديات الإقليمية، قرر مجلس الوزراء دعم صادرات الخضار والفواكه بتغطية 50% من تكلفة الشحن الجوي و25% من تكلفة الشحن البحري، إضافة إلى دعم خاص لمحصول الليمون بقيمة 50 ديناراً للطن حتى سقف 20 ألف طن. وفي شهر آذار من العام نفسه، وقعت وزارة الزراعة والملكية الأردنية للطيران وجمعية مصدري الخضار والفواكه الأردنية إتفاقية بقيمة 2 مليون دينار أردني لدعم عمليات الشحن والترويج الخارجي، بتمويل من صندوق إدارة المخاطر الزراعية التابع لوزارة الزراعة. ومع بداية عام 2026، تم تمديد العمل بقرار دعم الشحن الجوي والبحري بعد أن أثبت البرنامج نجاحه في زيادة حجم الصادرات وفتح أسواق جديدة وغير تقليدية.انطلاقًا من هذه النتائج، تبرز ضرورة تحويل الدعم إلى سياسة وطنية دائمة لإعتبارات مختلفة. فمن الناحية الإقتصادية، يواجه القطاع الزراعي إرتفاعاً في تكاليف المياه والطاقة ومدخلات الإنتاج والنقل، إضافة إلى المنافسة مع دول تقدم دعماً واسعاً لمزارعيها، وتقلبات الأسعار وإغلاق بعض الأسواق الإقليمية كما حدث خلال جائحة كورونا .وتساهم الصادرات الزراعية في تحسين ميزان المدفوعات ودعم العملة الوطنية. أما من الناحية الاجتماعية والتنموية، فإن القطاع الزراعي يمثل مصدر الدخل الرئيسي في معظم المناطق الريفية والبادية والمناطق المهمشة، ويساهم في تعزيز الإستقرار الإجتماعي بالحد من الفقر والبطالة، وتقليل الهجرة من الريف إلى المدن. وفي جانب الأمن الغذائي والإستدامة فإن استمرار الدعم يساعد في الحفاظ على قاعدة إنتاج زراعية محلية قوية، ويعزز قدرة الإقتصاد الوطني على مواجهة الأزمات الإقليمية والدولية. تؤكد التجارب الدولية أهمية السياسات الزراعية طويلة الأمد ،حيث يقدم الاتحاد الأوروبي دعماً مباشراً للمزارعين ومدفوعات على المساحات الزراعية، إضافة إلى آليات لحمايتهم من تقلبات الأسواق. وفي الولايات المتحدة الأمريكية توفر وزارة الزراعة الأمريكية (USDA) برامج دعم إنتاجي وتأمين محاصيل وبرامج ترويج وتصدير. كما يقدم الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (IFAD) منحاً وقروضاً ميسرة لدعم الإنتاج الزراعي والوصول إلى الأسواق في الدول النامية. وعليه، فإن استمرار دعم الصادرات الزراعية يتطلب صياغة سياسة وطنية دائمة تشمل الإستمرار في دعم الشحن الجوي والبحري والبري، وإنشاء برامج دعم موسمية للمحاصيل فائضة الإنتاج ،مع تطوير سلاسل التبريد والتخزين والنقل وتقديم حوافز مالية مرتبطة بعقود تصديرية، ودعم التحول نحو محاصيل ذات قيمة مضافة عالية وإستخدام التكنولوجيا الحديثة.بالإضافة إلى توسيع مظلة التعويضات الزراعية من الكوارث الطبيعية وإيجاد آليات لتثبيت أسعار بعض المحاصيل ودعم الحصول على شهادات الجودة الدولية وتطوير المختبرات للفحص السريع وتعزيز الشراكة بين الجهات المعنية وتأمين مصادر تمويل مستدامة، بما في ذلك المنح والتمويل الدولي. في الخلاصة إن دعم الصادرات الزراعية الأردنية يمثل استثماراً طويل الأمد في الأمن الغذائي والإستقرار الإقتصادي والإجتماعي. وقد أثبتت التجربة في الأردن خلال الأعوام الأخيرة أن تخفيض كلف الشحن وتحفيز التصدير يؤديان إلى نتائج ملموسة في زيادة الصادرات وفتح أسواق جديدة.كما أن تحويل هذا الدعم إلى سياسة وطنية دائمة سيجعل المنتج الزراعي الأردني أكثر تنافسية واستقراراً وقدرة على الوصول إلى الأسواق العالمية.الروابدة تكتب: الصادرات الزراعية الأردنية.. عندما يصنع الدعم الحكومي الفرق
المهندسة الزراعية فداء الروابدة
الروابدة تكتب: الصادرات الزراعية الأردنية.. عندما يصنع الدعم الحكومي الفرق
مدار الساعة ـ