أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة شهادة الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

السيولة التعليمية...الازمة التي نبتسم لها


الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية رئيس جامعة البلقاء التطبيقية السابق

السيولة التعليمية...الازمة التي نبتسم لها

الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية رئيس جامعة البلقاء التطبيقية السابق
مدار الساعة (الغد) ـ

في الفلسفة، لا تُفهم السيولة بوصفها حالة مادية فحسب، بل كحالة ذهنية وأخلاقية تتآكل فيها الحدود والمعايير. من مقولة هيراقليطس الشهيرة "لا يمكنك أن تنزل النهر ذاته مرتين"، إلى توصيف باومان لعصرنا بالحداثة السائلة، يتبدّى عالمٌ تتراجع فيه الثوابت لصالح المؤقت، وتُستبدل الصلابة بالمرونة، والمعنى بالسرعة.

في عالم السيولة، لا يُطلب من الأنظمة أن تكون صحيحة بقدر ما يُطلب منها أن تكون قابلة للتمرير. ولا يُراد للسياسات أن تكون عميقة بقدر ما يُراد لها ألّا تكون مزعجة. يُعاد تعريف النجاح ليصبح عبورًا آمنًا من تقرير إلى آخر، ومن مرحلة إلى أخرى، دون مساءلة عمّا جرى في المنتصف. هنا تذوب المعايير، وتفقد المؤسسات صلابتها.

الأخطر أن هذه السيولة لم تعد حكرًا على الاقتصاد، حيث المال أسرع من الإنتاج، ولا على السياسة، حيث الخطاب أسرع من القرار، ولا على الاجتماع، حيث العلاقات أسرع من القيم؛ بل تسللت إلى التعليم، المجال الأكثر تأثيرًا في مستقبل الدول. وحين يتسرّب هذا المنطق إلى التعليم، لا ينهار فجأة، بل يذوب ببطء، حتى نكتشف أننا نحمل شهادات بلا معرفة، وأجيالًا بلا أدوات، ومستقبلًا يتسرّب بهدوء.

السيولة التعليمية لا تعني تحديثًا مدروسًا أو تطويرًا ذكيًا، بل انتقال الطالب من صف إلى آخر دون امتلاك الكفايات اللازمة، وخروجه من النظام دون استعداد حقيقي للحياة. إنها إدارة للعبور لا للبناء، وتوسيع شكلي للمخرجات لا تعميق لجودتها.

كأن بعض الأنظمة التعليمية، قررت أن تغرق في نهر هيراقليطس كل عام، ثم تتساءل بدهشة، لماذا ابتللنا؟

في الحالة الأردنية، لم تدخل السيولة من بوابة إصلاح جذري، بل من باب التسهيل وتأجيل المواجهة. التوسع في الأبنية قُدّم بوصفه إنجازًا، وكأن التعليم جدران لا منظومة معرفة. غير أن المدرسة ليست رقمًا في تقرير، بل معلم كفء، ومنهج متماسك، وثقافة مساءلة.

الدول لا تُقاس بعدد مدارسها، بل بعدد المدارس التي تبني عقلًا قادرًا لا متلقيًا هشًّا. السؤال ليس، كم بنينا؟ بل، ماذا يتعلم الطالب فعلًا داخل الصف؟ فالكثرة قد تنتج وهمًا مريحًا، وأرقامًا جميلة، وصور افتتاح، وتقارير مطمئنة، بينما يسير الطالب في الاتجاه المعاكس.

حين يُصرّح رسميًا بأن طلبة في الصف العاشر لا يُحسنون القراءة والكتابة، فنحن أمام خلل في القاعدة. القراءة والكتابة ليستا مهارتين إضافيتين، بل البنية التحتية لكل تعلم لاحق. وإذا كانت القاعدة هشّة، فكل ما يُبنى فوقها هش، مهما بدا أنيقًا في التقارير. وحين يُقدَّر أن مستوى بعض طلبة الصف الثاني عشر يعادل الصف الثامن أو أقل، فذلك ليس فجوة عابرة، بل فقدان لمعنى المرحلة نفسها.

الاعتراف بفاقد تعليمي يتجاوز 50%، وبفقر تعليمي يفوق 60%، يعني أن أجيالًا عبرت النظام دون أن تنال حقها الأساسي في التعلم. الخطورة ليست في الاعتراف، بل في اختزال المشكلة ببرامج إسعافيه تعالج العرض وتترك المرض. الفاقد التعليمي ليس نقص ساعات، بل انقطاع في المسار المعرفي، ولا يُعالَج إلا بإعادة بناء القاعدة، ومساءلة حقيقية، وخطط جذرية لا تجميلية. أما الاكتفاء بالتشخيص، فهو شكل آخر من إدارة الأزمة لا حلّها. نحن هنا أمام تراجع تراكمي، لا خطأ فردي، وأمام إنذار حضاري.

نتائج الاختبارات الدولية مثل TIMSS وPISA، أحدثت صدمة، وهي تقول ان ما حاول الخطاب الإعلامي الالتفاف عليه طويلًا، تراجع في التفكير الرياضي، والاستيعاب القرائي، والقدرة على التحليل. هذه الاختبارات لا تهتم بالخطاب ولا بالخصوصيات المحلية، بل تقيس ما يعرفه الطالب فعلًا، وهي مهارات تراكمية لا تُعالج بقرار إداري.

وحين تتكرر النتائج المتراجعة، فالمشكلة ليست مصادفة، بل نمطًا بنيويًا. في الولايات المتحدة، شكّل تقرير A Nation at Risk صدمة وطنية أعادت ترتيب الأولويات التعليمية. أما حين تُواجَه النتائج بالتبرير، وكأنها سوء فهم دولي لا مرآة دقيقة للواقع، فإن الرسالة تضيع، وهي تنادي بان الفجوة تتسع، والمستوى يتآكل.

على مدى عقود، شكّلت الثانوية العامة الأردنية معيارًا واضحًا، يعرفه الطالب، ويثق به المجتمع المحلي والدولي. لم تكن المشكلة في الامتحان ذاته، بل فيما سبقه من تآكل تراكمي في القاعدة.

تغييرات متلاحقة، ومسارات غير مستقرة، ورسائل متناقضة باسم "مصلحة الطالب" دون تعريف دقيق لهذه المصلحة، أفرغت الثانوية من وظيفتها التراكمية، وأربكت المعلم، وأضعفت ثقة المجتمع بالمخرجات.

ومن أخطر مظاهر السيولة التعامل مع المواد الأساسية، كالرياضيات والفيزياء، وكأنها عبء يمكن تخفيفه. هذه ليست مواد دراسية فحسب، بل لغة العلوم وأداة التفكير التحليلي. الدول التي تقدمت لم تُخففها، بل عمّقتها وربطتها بالحياة. أما السيولة فجعلت القرار ارتجالياً وأسرع من التفكير، وأثقل من نتائجه. كأن حل الغرق هو خفض مستوى الماء، لا تعليم السباحة.

المفارقة المؤلمة أن هذا التراجع يحدث رغم وضوح التوجيهات السياسية العليا التي أكدت مرارًا أن التعليم حجر الأساس في بناء الدولة ورأسمالها البشري. السؤال لم يعد، هل وُضعت استراتيجيات؟ بل، كم منها وصل إلى غرفة الصف؟ وكم منها خضع للمحاسبة على النتائج؟

على مدار عقود، أُنفقت موارد، وعُقدت ورش، وصيغت خطط أنيقة اللغة ثقيلة الورق خفيفة الأثر (مثل الاستراتيجية الوطنية لتنمية الموارد البشرية). وحين لم تتحقق الأهداف، لم تُفعَّل مساءلة بحجم الخسارة، وكأن الفشل إجراء إداري، لا مسؤولية وطنية. هنا تتجلى الفجوة بين رؤية واضحة في الأعلى وتنفيذ مرتبك في الوسط.

حين يُدار التعليم العام بمنطق تمرير الفجوات، تنتقل الأزمة إلى الجامعة. لم تستقبل الجامعات طلبة فحسب، بل استقبلت تراكم الخلل. ومع كل دورة قبول، تحوّل بعضها من مؤسسات فرز معرفي إلى أدوات امتصاص اجتماعي لتأجيل البطالة.

ظُنّ أولًا أن الخلل سيبقى محصورًا في التخصصات غير العلمية، لكن السيولة لا تحترم الخطوط الحمراء. تسللت إلى مفاصل التعليم كافة، كما تعبر المياه في الشقوق وفي مجرى السيول، فوصل الخلل إلى الكليات الطبية، حيث يفترض أن الخطأ غير محتمل.

حتى بلغت ذروتها في قبولات الطب عامي 2021 و2022، حيث قُدّم التوسع بوصفه إنجازًا اجتماعيًا، وسط خطاب غلّف القرار بالأرقام وأغفلت نتائجه. دون سؤال جوهري، هل الطاقة الاستيعابية موجودة؟ وهل التدريب السريري قادر على الاستيعاب؟

ومع الوقت، تبيّن أن الأعداد تجاوزت الطاقة الاستيعابية بنحو 150% وفق اعتراف رسمي. هنا لم تعد القضية تعليمية فحسب، بل مسألة جودة وثقة وسوق عمل. فالطب لا يحتمل السيولة، الخطأ فيه لا يُقاس بدرجات، بل بحياة بشر.

السؤال يتجاوز القبول إلى أدوات الضبط، أين فاعلية مجالس التعليم وهيئات الاعتماد؟ ولماذا غابت «لا» عن الجميع في اللحظة الحرجة، بما فيهم رؤساء الجامعات وعمداء كليات الطب؟ حين تُفرَّغ أدوات الرقابة من قدرتها على الاعتراض، وتغيب الحوكمة والمسألة، لا يصبح الخلل تقنيًا، بل بنيويًا. وحين تتحول الطاقة الاستيعابية إلى مفهوم مطاطي، تصبح الجودة شعارًا، وتتحول الدولة من منتِج للعقل إلى مستودع للشهادات. وفي خضم ذلك، ننشغل بالافتخار بالأعداد وبهرجة حفلات التخريج، بعيدًا عن سؤالٍ أبسط وأعمق، ماذا اكتسب هؤلاء الشباب من مهارات حقيقية؟ وأي مستقبل مهني ينتظرهم؟ في سوق شديد المنافسة.

اما فيما يخص السيولة الادارية في الجامعات، وهي ليست موضوع الحديث، الا انها وصلت في بعضها الى ما يمكن تشبيهه بالانجرافات في التربة الرخوة إثر السيول الكبيرة.

تمتد السيولة اليوم إلى برامج الدبلوم المتوسط، وهي الفئة الفنية التي تقوم عليها القطاعات الإنتاجية في الدول المتقدمة. الحديث عن إلغاء امتحان الشامل، وهو مقايس معياري تم بناءها بدقة لقياس المهارات عام 2018، يهدد بتحويل الشهادة إلى ورقة عبور لا أداة كفاءة. نحتفي بالأعداد، ثم نستغرب البطالة. فالثمن لا يُدفع اليوم فقط، بل سيتضاعف غدًا.

المشكلة ليست خطأ عابرًا، بل نمط تفكير اختار الطريق الأسهل، تأجيل الأزمة بدل حلّها، وتكديس الشباب في مقاعد الدراسة بدل بناء مسارات إنتاج حقيقية.

هنا يتحدد الخيار الاستراتيجي، هل نريد دولة إنتاج تبني رأس مال بشريًا صلبًا، أم دولة استيعاب تدير الأرقام؟

في دولة الإنتاج، الجودة خط أحمر. في دولة الريع والاستيعاب، تصبح الجودة مرنة، قابلة للتأويل، ومؤجلة بحجة المرحلة. الأخطر ليس الخطأ، بل في تطبيع الخطأ.

متى نعترف أننا أمام أزمة تعليمية حقيقية؟ وكم جيلًا يجب أن نخسر قبل أن نقرّ بوجود خلل بنيوي؟ وكم تقريرًا نحتاج قبل أن نواجه الحقيقة بدل تدويرها؟ ومتى ننتقل من إدارة الأزمة إلى منعها؟ والى متى نستمر في "تسهّيل التعليم كي لا يتعب الطالب؟، لنتفاجأ بعد سنوات بأن الدولة هي التي تتعب". ومن سيُحاسَب على نتائج هذه السيولة؟ الطالب الذي لم نمنحه تعليمًا صلبًا! أم المعلم الذي أُربك! أم المجتمع الذي صدّق أن التسهيل رحمة!

الخروج ممكن، لكنه يتطلب شجاعة تنفيذية لا حلولًا تجميلية. يتطلب إعادة بناء القاعدة، قراءة وكتابة ورياضيات بلا مساومات. معايير واضحة غير قابلة للتسييل. تمكين المعلم وتأهيله ومساءلته مهنيًا، وربط التعليم بالإنتاج، وقياسًا حقيقيًا للنتائج، ومحاسبة على القرار، والاعتراف بالخطأ بدل تدوير التبرير.

الدول الرائدة، تصلح التعليم لإنقاذ المستقبل، لكننا نعالج الضعف بالتسهيل، ونتُترك المستقبل يتدبر أمره. وفي الدول الرائدة "يُسأل المسؤول، لماذا تراجع التعليم؟ وفي دول أخرى يُسأل المواطن، لماذا لم يفهم الخطة؟"

في النهاية، التعليم ليس ملفًا خدميًا، بل عقدًا مع المستقبل. كل سنة تأجيل كلفة إضافية، وكل دفعة بلا جودة استنزاف للثقة الوطنية.

الدولة الإنتاجية لا تُقاس بعدد المقاعد التي وفّرتها، بل بعدد المهارات التي أنتجتها، والدولة الإنتاجية تسأل، ماذا نُتقن؟ وفي دولة الاستيعاب يسأل، كم نُدخل؟ وبين السؤالين، يضيع المستقبل بهدوء إداري مثالي".

مدار الساعة (الغد) ـ