أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات مغاربيات دين بنوك وشركات خليجيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الوريكات يكتب: سدنة الأبواب بين الولاء الحقيقي والمصالح


عبد المنعم الوريكات
عقيد متقاعد

الوريكات يكتب: سدنة الأبواب بين الولاء الحقيقي والمصالح

مدار الساعة ـ

في كواليس كل دولة أو مؤسسة، تبرز فئة لا تعيش إلا في المناطق الرمادية، ثلّة حوّلت القرب من القيادة والقرار إلى إقطاعية خاصة، ومن الولاء الحقيقي إلى سوق للمقايضة

هؤلاء هم الفاسدون الحقيقيون، لا لأنهم يسرقون المال فقط، بل لأنهم يسرقون الحقيقة من عين القائد، ويسرقون الوفاء من قلب المخلص، في عملية اغتيال معنوي ممنهجة حتى لا يبقى شاهدا على زيفهم

في لعبة الإقصاء والتهميش القذرة، يُدفع الرجال الذين خدموا بصمت وإخلاص إلى منفى الظل بمجرد انتهاء تكليفهم أو تقاعدهم، والسبب بسيط ومقزز في آن واحد، المخلص الصامت يمثل تهديدا وجوديا للفاسد المتسلق

النزيه لا يُشترى، والمترفّع لا يطبّل، ومن خدم بتفانٍ لا ينحني لأهواء بطانة السوء، لذلك يستنفر تجار المواقف كل أدواتهم لقطع خيوط الوصل، وتشويه السير النظيفة، وإيهام صاحب القرار بأن “الولاء” محصور في دائرتهم الضيقة، لأنهم يخشون أن تقف تلك الوجوه النظيفة أمام القيادة فتنكشف زيف وجوههم

ولاء المصالح ضد الولاء الحقيقي ديدن المرتجفين، وقد برع هؤلاء في خلط الأوراق، فجعلوا القرب مكافأة لمن يسبّح بحمدهم، والإقصاء عقوبة لمن يرفض الدخول في صفقاتهم المشبوهة، حولوا المراكز العليا إلى مجتمع مغلق، يُدار بعقلية الحجب والإقصاء، وكأن مقدرات الدولة إرث شخصي لمن يجيد فن التملق

الخطر لا يكمن فيهم وحدهم، بل في البيئة التي تسمح لهم بالتمدد، فحين تغيب معايير واضحة لقياس الأداء، وحين لا يكون التقدم مبنياً على إنجاز حقيقي قابل للقياس، بل على انطباعات شخصية وعلاقات دائرية، تُقصى الكفاءات بصمت ويصعد محترفو التملق بلا مقاومة

عندما لا يوجد نظام تقييم عادل وشفاف، لا يُسأل عن الإنجازات بل يُسأل الشخص مع من يقف؟

وهنا تبدأ مرحلة التآكل الصامت، الكفاءة تنكفئ أو تهاجر، والفراغ الذي تتركه الكفاءات تملؤه طبقة من المنافقين الذين يعتاشون على صناعة الولاءات الوهمية وتغذية الشك في نفوس أصحاب القرار

أي نظام ناجح يمكن أن يتعثر، لكن الذي يُدمَّر فعليا هو ذلك الذي يسمح بقتل الكفاءة داخله، فالدول لا تسقط لنقص الموارد، بل حين يُستبدل معيار الإنجاز بمعيار التصفيق، وحين تتحول مواقع القرار إلى حصون مغلقة أمام أصحاب الخبرة والتجربة

وهنا تأتي كلمة الحق لمن خدموا بصدق وأُبعدوا بفعل فاعل وهم الأعمدة التي تحمل السقف، أما بطانة السوء فهم أول من سيهرب عند أول عاصفة، الوفاء لا ينتهي بقرار تقاعد، والتاريخ لا يُكتب بأقلام المرتزقة الذين يقتاتون على عزل القيادات عن رجالها المخلصين

الحقيقة المرة أن منح الفاسدين حق الفيتو على من يقترب ومن يبتعد يجعل الوطن أو المؤسسة هو الخاسر الأكبر، فالقرب من القيادات استحقاق يُبنى على سجل الإنجاز، لا غنيمة تتقاسمها شلة المصالح والحاقدين

أرجوكم لا تحوّلوا الوفاء إلى وظيفة تُباع وتُشترى، ولا تجعلوا القرب وكالة حصرية للفاسدين، فالقيادة التي تحيط نفسها بالكفاءة تحمي نفسها، أما التي تحيط نفسها بالتصفيق، فهي تؤجل لحظة الفشل

مدار الساعة ـ