أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الرشق تكتب: حين ينهار الكبار.. من يحمي مستقبلك؟


ملاك الرشق

الرشق تكتب: حين ينهار الكبار.. من يحمي مستقبلك؟

مدار الساعة ـ

تربّينا طويلاً على مقولةٍ بدت لنا ملهمة: عِش كلّ يوم كأنّه يومك الأخير. عشناها، وصدّقناها، وربما دافعنا عنها أيضاً. لكن، لو تأملنا بهدوء، سنكتشف أن شعوباً أخرى لم تكن تعيش يومها بيومه، بل كانت تفكّر في الغد، وتبني له، وتخطط له بعقلٍ باردٍ ونَفَسٍ طويل. بينما كنّا نحتفي باللحظة، كانوا هم يؤسسون للمستقبل.

اليوم، العالم من حولنا لا يطمئن. عملات عظمى تهتزّ، وأخرى قد تنهار إن اختلّ ميزان الثقة. في المقابل، نرى عملات لا نعرف على ماذا تستند، ولا ما هو أساسها الحقيقي، ترتفع بشكلٍ غير طبيعي، وتجذب الملايين خلف موجة مضاربة قد لا يفهمون جذورها. أسواق مالية تتضخم بسرعة، ثم تتراجع بسرعة أكبر. توترات جيوسياسية تتصاعد دون إنذار واضح. وحروب قد تندلع في أي لحظة، تعيد رسم خرائط الاقتصاد والسياسة معاً. نعم، حتى بلاد عظمى قد تنهار إذا اختلّ توازنها الداخلي أو استنزفتها صراعاتها.

الخوف هنا ليس دعوة للهلع، بل جرس تنبيه. لأن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نغلق أعيننا ونكتفي بالقول: “لنستمتع باليوم، والغد يتدبر أمره بنفسه”. الغد لا يتدبر أمره وحده، بل يُصنع.

التفكير بالمستقبل لا يعني أن نعيش بقلق دائم، بل أن نتحرّك بوعي. أن نستثمر بطريقة صحيحة، لا بردّة فعل عاطفية. الاستثمار ليس فقط شراء سهمٍ ارتفع، أو اللحاق بعملةٍ تتصدّر العناوين. الاستثمار الحقيقي يبدأ ببناء محفظة متوازنة، بتوزيع المخاطر، بفهم ما نضع فيه أموالنا، وبسؤال بسيط: ماذا لو تغيّر كل شيء فجأة؟

ثم هناك الاستثمار الأهم، الذي لا ينهار بانهيار سوق ولا يتأثر بتقلب عملة: الاستثمار في العلم والمعرفة. حين نستثمر في تعليمنا، في تطوير مهاراتنا، في قراءة الواقع وفهمه، فإننا نبني أصلاً لا يُصادر. العالم يتغير بسرعة، والوظائف تتبدل، والقطاعات تصعد وتهبط. من يستثمر في نفسه يملك القدرة على التكيّف، على البدء من جديد، وعلى تحويل الأزمات إلى فرص.

لسنا مطالبين بأن نعيش بخوف، لكننا أيضاً لسنا معذورين إن عشنا بلا تخطيط. بين الإفراط في التمتّع باللحظة، والإفراط في القلق من الغد، مساحة اسمها المسؤولية. مسؤولية أن نفكر: ماذا لو تراجعت الأسواق؟ ماذا لو تغيرت موازين القوى؟ ماذا لو انهارت منظومات كنّا نظنّها ثابتة؟

ربما آن الأوان أن نعيد صياغة المقولة القديمة. لا نلغي الفرح بالحاضر، لكن نضيف إليه وعياً بالغد. أن نعيش اليوم بذكاء، لا كأنه الأخير، بل كأنه خطوة في طريقٍ طويل. لأن المستقبل لا يُفاجئ من استعدّ له، بل يكافئه.

مدار الساعة ـ