هناك لحظات في الحياة تشبه نسمات الصباح الأولى، تنساب بهدوء بين ظلال الذاكرة، تحمل عبق الماضي، وتفتح لنا نوافذ على تجارب لا تُنسى، دروساً تختبئ في تفاصيلها الصغيرة والكبيرة، لحظات تترك أثرها في القلب قبل العقل. هكذا كانت رحلتي، رحلة امتدت لعقد ونصف من العمل الوظيفي الأول، أيام بدأت فيها مع تدريس الرياضيات والعلوم، والعمل الإداري، ومساعدا لمدير، والقيام بمهام موظف مسؤول في مديرية التربية والتعليم.
تلك الأيام، رغم بساطتها، كانت جميلة وملهمة. كانت بمثابة البذور التي زرعت فيّ حب الالتزام، الصبر، والمثابرة، وأعطتني شعوراً مبكراً بالمسؤولية تجاه الطلاب والزملاء والمؤسسة بأكملها. كل درس، كل ورقة عمل، وكل قرار صغير أو كبير كان له أثره في صقل شخصيتي، وتجهيز نفسي لما سيأتي لاحقاً.ثم جاء العام 2004، عام استثنائي في حياتي الوظيفية، حيث انتقلت إلى موقع رئيس قسم الأبنية والتأسيس والترخيص في مديرية التربية والتعليم لمحافظة العاصمة. كان الاستقبال دافئاً، لكن الأثر الأعظم جاء من العمل مع فريق قيادة ملهم بكل معنى الكلمة.في صدارة هذا الفريق، الأستاذ عبد المجيد العبادي ، مدير التربية والتعليم، الإنسان القائد الملهم الذي جمع بين الحكمة، والرحمة، والقدرة على تحفيز الآخرين. بجانبه كان السيد زيدان العلاوين، المدير الفني والتعليمي، الذي علمني معنى الانضباط، والمهنية، والجدية العلمية، والسيد ضيف الله الضيف الله، المدير الإداري والمالي، الذي أعاد تعريف معنى الدقة، والعدالة، والالتزام في الإدارة. هذا الثلاثي شكّل مدرسة كاملة في القيادة والتعامل مع الناس، وعلموني كيف يكون العمل مزيجاً من العقل والقلب.خلال سنوات عملي، كان لي شرف الاحتكاك بالعديد من الشخصيات الملهمة، من الوزراء إلى الزملاء، وكل واحد منهم أضاف بعداً مختلفاً لتجربتي. الأستاذ الدكتور عمر الرزاز، وزير التربية والتعليم فيما بعد رئيس الوزراء، نموذج للفكر العميق والإنسانية والجدية، رجل رؤية واضحة، يفتح الأبواب أمام الإصلاح والابتكار، من تطوير الثانوية العامة إلى المبادرات الإبداعية للمعلمين والطلبة.الأستاذ الدكتور وليد المعاني، مثال للتوازن بين الصرامة والرحمة، حرصه على الكمال ودفء قلبه جعل كل قرار يصنع فرقاً، رجل ملهم يحرص أن يكون لكل خطوة أثر إيجابي حقيقي.الأستاذ الدكتور عزمي محافظة، الذي جمع بين الخبرة الأكاديمية الطويلة وقيادة الجامعات ووزارة التعليم، نموذج للمثابرة والإبداع في تطوير التعليم، رجل يؤمن بأن التعليم هو مفتاح التطور الحقيقي في المجتمع والمنطقة.الأستاذ الدكتور تيسير النعيمي، التربوي الفذ والمستشار المبدع، الذي أتاح لي العمل معه مباشرة، علّمني عمق التخطيط والإبداع الإداري، وأهمية الدمج بين النظرية والتطبيق.ولا ننسى الأستاذ الدكتور محمد أبو قديس، الذي جمع بين الخبرة الأكاديمية والقيادة الوزارية، وجعلني أعي قيمة الدمج بين التعليم والتطوير الإداري، وبين النظرية والتطبيق، وبين الإنسان والمهنة.خلال هذه الرحلة، من كاتب إلى رئيس قسم، ومن مدير إداري ومالي إلى مدير للعلاقات الثقافية والدولية، ثم مدير للمتابعة ومستشار، كان كل يوم درساً جديداً، وكل تجربة حجر أساس لبناء مهاراتي ومعرفتي. تعلمت أن القيادة الحقيقية ليست فقط في اتخاذ القرار، بل في القدرة على الاستماع، والمراقبة، والعدل، والتواضع، وأن كل إنجاز مهما كان صغيراً يترك أثره في حياة الآخرين.اليوم، وأنا أتذكر تلك السنوات، أرى رحلة مليئة بالتحديات والنجاحات، بلحظات صادقة علمتني أن الالتزام والعمل بروح صافية هو الطريق الحقيقي لأي نجاح، وأن لكل تجربة أثرها العميق على شخصيتي ومساري المهني. إنها خمسة عشر عاماً بين العمل والقيادة، دروس لا تُنسى في الحياة، رحلة شكلتني، علمتني، وفتحت أمامي نوافذ لا نهاية لها على التعلم، الإبداع، والإلهام.أبو زيد يكتب: ١٥ عاماً بين العمل والقيادة: دروس لا تُنسى.. الرزاز ومحافظة والمعاني والنعيمي وابو قديس
زيد أبو زيد
أمين سر المكتب السياسي لحزب مسار
أبو زيد يكتب: ١٥ عاماً بين العمل والقيادة: دروس لا تُنسى.. الرزاز ومحافظة والمعاني والنعيمي وابو قديس
زيد أبو زيد
أمين سر المكتب السياسي لحزب مسار
أمين سر المكتب السياسي لحزب مسار
مدار الساعة ـ