أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

القيسي يكتب: المافيوقراطية الحزبية


جمال القيسي

القيسي يكتب: المافيوقراطية الحزبية

مدار الساعة ـ

لا يمكننا حصر ما تعانيه الأحزاب السياسية الأردنية بضعف البرامج، أو غياب اللون السياسي الواضح، ولا بالتشابه حدّ التطابق في المبادئ والأفكار والرؤية والرسالة..إلخ، وحسب؛ بل يتجاوز الأمر ذلك إلى تحوّلها التدريجي إلى ما يمكن تسميته بـ (المافيوقراطية الحزبية)؛ أي ذلك النموذج التنظيمي غير المعلن القائم على احتكار القرار داخل مجموعة ضيقة مغلقة، تتحول مع الوقت إلى شبكة مصالح أنانية تُستبدل فيها المبادئ بالمنافع الذاتية، وتُقاس الكفاءة بمدى القرب من "الولي الفقيه"، لا بمدى القدرة على خدمة الفكرة والمجتمع.

في هذه الحالة لا يعود الحزب إطارا وطنيا عاما للعمل السياسي، وليس حزبا بل صالونا سياسياً تديره مجموعةٌ مرتزقة ومتنفعة ومسلوبة الإرادة للزعيم، وتُوزع فيه الأدوار علانية كغنائم حرب؛ حيث يتم اختزال الديمقراطية الداخلية بطقوسٍ شكلية وغير قانونية مخجلة ولا تعبّر عن ممارسة مدنية حقيقية.

(المافيوقراطية) لا تعلن نفسها صراحةً؛ فهي تتسلل عبر تبريرات واهية ومزاعم وادعاءات شتى منها؛ زعم"القرب اللصيق بمركز القرار" وهو زعم لا وجود له إلا في أحلام النوم واليقظة، أو ادعاء “الخبرة الحزبية العريقة” وهو كلامُ مرسل بلا دليل ولا قرينة، وأثبت الواقع الحزبي المتشظي حد الانشطار انعدام الخبرة المزعومة،أو محاولة تبرير الاستبداد الذي لا يمكن قبول تبريره بـ“ضرورات المرحلة” والأخيرة معناها لا معنى له في قاموس السياسة. ملتبسُ، ولا تعريف له، ولكن من المؤكد أنها تلك التي لن تنتهي أبدا.

بمرور الوقت _وهو بلا قيمة مطلقا في حياة غالبية الحزبيين الأردنيين- يصبح رفض هذا التهريج ضرباً من الكفر البواح يصل بمقام "الولي الفقيه" الحزبي إلى هدر دم من يدعو لإسدال الستار على "مسرح العبث"Theatre of the Absurd” “

إن التذرع بالضرورة التنظيمية المرحلية لتكريس المركزية هو كارثة فادحة في العمل العام، وفي الحزبي منه على وجه الخصوص؛ لأن الحزبية فعل تشاركي وجماعي، والعلاقة التراتبية بين أعضاء الحزب الواحد هي تراتبية أفقية، فإذا انقلبت إلى عمودية تتفاقم الكارثة بحلول الاستبداد الحزبي الذي يحمل معه دوما بذور زواله. والأمثلة عصية على الحصر لمن لم تتوقف القراءة لديهم عند آخر كتاب دراسي منهجي في الجامعة.

أخطر نتائج نموذج (المافيوقراطية) ليس عزوف الناس عن فكرة الانخراط في الأحزاب فقط؛ بل تشويه معنى العمل السياسي ذاته؛ إذ ستستقر في عقول الناس حقيقية أن الحزب وسيلة صعود واعتماد شخصي، لا أداة وطنية لتغييرٍ مجتمعيٍ استراتيجي. عندها يصبح موعد إعلان الموت رسميا مسألة وقت لا أكثر؛ لأن الحزب الذي لا يُصلح نفسه من الداخل سيفقد شرعيته ومبررات وجوده، ويخرج من حسابات دائرة الثقة في الدولة والمجتمع والفضاء العام.

أما قلنا في مقالة سابقة إن الثقة العليا تُبنى ببطء ولكنها تنهار سريعاً؟ إن لانهيار الثقة مذاقاً مُرّاً مثل مذاق الخيبة، وعلقم الخذلان، كما يحمل انهيار الثقة غالبا ارتدادات بعيدة المدى، لا تُصيب حزباً بعينه، بل تصيب المعنى ذاته الذي وُجد الحزب من أجله!

مدار الساعة ـ