أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

صبري ربيحات يكتب بطريقة أخرى عن السردية الاردنية


د. صبري ربيحات
وزير أردني سابق وكاتب

صبري ربيحات يكتب بطريقة أخرى عن السردية الاردنية

د. صبري ربيحات
د. صبري ربيحات
وزير أردني سابق وكاتب
مدار الساعة ـ

في الروايات التي تحتفظ بها الشعوب والأمم وتقدمها للأجيال والآخرين الكثير من الأمجاد والبطولات والانتصارات والمواقف التي تستحق التدوين والنقل والتعميم؛ كما أنها لا تخلو من الهنات والهفوات التي تظهر الوجه الانساني للأمة أو الجماعة.

ومع ذلك فمن حق الامم ان تصيغ روايتها بالطريقة التي تراها وتقول في الرواية ما تشاء فالاسرائيلون يرون انهم خير شعوب الارض وأنهم الأكثر سمواً وذكاء وديمقراطية وعدلا وقد نجحوا في تسويق هذا الصورة واستخدموا العلم والمال والاعلام والتحكم بصناعة القرار وإنتاج القادة لتدعيم الصورة وتوسيع التأثير والنفوذ،....

في المجتمعات البشرية سواء كانت تقليدية او حديثة يوجد روايات واساطير وافكار وشعارات يجري نسجها بطرق وأساليب متنوعة لبناء صورة ذهنية تجميلية؛ فقد يقدم الاحتلال على انه بناء وتعمير والاقصاء لبعض الفئات على انه حماية للهوية وتجريم بعض الافعال ومنع ارتكابها على انه خدمة للخير والنفع والفضيلة.

في كل مجتمع ولكل كيان سياسي خطاب يقول بطرق واساليب مختلفة للناس والعالم عن ماهيته واهدافه ورؤيته ورسالته وعن العلاقة القائمة بين النظام السياسي والناس ويسهب في تقديم نظرية الشرعية والاستحقاق والفضائل والانجازات وكل ما يتعلق بالقدرة والمنافسة والانجاز والارتباط بثوابت الامة كاللغة والدين والاخلاق والقيم وسياسات الامن وحماية الهوية.

القصة او الرواية او السردية كما اصبح دارجاً تحوي مئات لا بل آلاف الجزيئات والتفاصيل التي تتناول المكان والانسان والاحداث والافكار والقيم والعادات والاساطير وعناصر بناء الامة وانتماءاتها الدينية والعرقية وارتباطاتها الجغرافية وميولها السياسية وتطلعاتها المستقبلية ونظرة كل مكون للمكونات الاخرى وغيرها من مئات ان لم يكن الاف العوامل .

الدولة ومن خلال مؤسسات بناء الإنسان( الاسرة، المدرسة، الجامعات دور العبادة ، الاعلام ، والثقافة ، والنوادي ) تعمل على خلق محتوى ثقافي جامع يشمل كل عناصر بناء الهوية ويجيب على اسئلة من نحن ؟ وكيف وصلنا الى هنا ؟وما الذي يجمعنا؟ وما هي رسالتنا كدولة او أفراد؟ وما هي السمات او الخصائص اللصيقة بنا كأمة ؟وكيف تميزنا عن غيرنا؟ وما هي انجازاتنا ؟ واهدافنا ؟وما الحلم الذي يشترك به ويحمله كل عضو ؟ وكيف نسجت العلاقة بين الدولة ممثلة بقياداتها ومؤسساتها . وما حجم متانة وقوة الرباط القائم بينهما والثقة المتبادلة؟ كذلك حجم الأمان والثقة في المستقبل .؟

في سياق الاجتهادات التي يقوم بها الاكاديميون والساسة والاعلاميون يتبارى البعض في تقديم تعريفاتهم للمقصود بالسردية وباساليب قد تخرج الموضوع عن سياقه وغاياته ....الاردن اليوم او السردية الاردنية ليست بحاجة لشخص او عدد من الاشخاص يطرحون انفسهم كمنظرين ينطلق بعضهم من افتراض ان هناك هجوم على الاردن يتطلب الدفاع عنه بخطاب لا يخلو من التشنج او التأزيم .

في كل الاوقات التي ارى فيها الاشخاص يتحدثون عن الاردن بهذه الطريقة ينتابني القلق لا لاني اشك في دوافع هؤلاء الاشخاص - لا سمح الله - بل لأن الطريقة والاسلوب والاندفاع يشعرك بأنهم لا يدركون عمق الإيمان لدى الاردنيين بالشرعية التي يتمتع بها النظام بصفته الوريث لمنظومة القيم والمعتقدات والاخلاق التي صوبت مسار البشرية وانتجت اكثر حضارات التاريخ خصبا وعدلا وازدهارا .

في تقديري أن هناك ثلاثة مسارات للحديث تحت عنوان السردية يختص الاول منها بسردية المكان من حيث ذاكرته وتاريخه ولا يوجد ارتباط لما نحن عليه اليوم بما قام به اليونان او البيزنطيين او حتى الجيوش الإسلامية ولا صلاح الدين وقطز الا بالمقدار الذي يشعرنا بأننا نعيش على بقعة جغرافية مهمة جدا وقعت على اراضيها كل هذه الاحداث ولا تزال تحتوي طاقة روحية محفزة تبعث في نفوسنا الفخر وتحتم علينا الإفادة منها واعتبارها عنصر الهام وتحفيز .

ويتعلق المسار الثاني من السردية بالإنسان .فعلى نفس المستوى يوجد موروث إنساني كبير ومحفز في هذا الحيز والفضاء ساعد على إنجازه المناخ والتضاريس وجاذبية المكان وملائمته للعمل والانجاز والابداع . فالديانات التوحيدية والتاريخ الانساني وامتزاج الديني بالوضعي واللاهوتي بالدنيوي كلها عوامل تجعل من البيئة والانسان والانجاز قضايا يصعب فهم المكان دونها .

اما العنصر الاهم في السردية الاردنية فهو المتعلق بنشأة الدولة الاردنية التي حملت اسماء مختلفة الى ان استقرت على اسم المملكة الاردنية الهاشمية . في تقديري ان لدى من يتناولون هذا الجزء وخاصة الاكاديميين منهم مسؤولية وضع الاطر القادرة على استيعاب كل الافكار والمعتقدات والممارسات والمكونات والجزئيات التي يشملها التراث وتحتويها الثقافة التي يستدخلها الافراد وتؤثر على طرق تفكيرهم وشعورهم وسلوكهم باعتبارهم نتاج لمجمل العمليات التي اكسبتهم الجنسية الثقافية .

ضمن هذا الفهم ينبغي ان تتوجه الجهود للبحث في مفهوم وعمليات تشكل الهوية الوطنية . وعليه فإن المقصود بالهوية التي تعنينا هنا هي نوعية الحس المشرك لدى الافراد والجماعات حيال الوطن بما له من حدود جغرافية وتاريخ ونظم وقيم وتشريعات ورموز وبنى تحدد المكانات والادوار والاهداف وتبني التصورات المستندة الى القصص والروايات والاساطير والامجاد التي ترويها الجماعة لنفسها عن نفسها .

و يتولد الانتماء من ارتباط الافراد بالمكان واكتسابهم للثقافة السائدة فيه واستيعابهم للغته وروحه وخصوصيته كذلك الألفة او التعود الذي يسهم في نسج علاقة وجدانية مع جوانب التكوين والتراث والروايات والمعتقدات والتنظيم واستيعاب خصوصية فضاءات الحيز الاجتماعية والجغرافية والثقافية .

يتباين شدة وعمق الارتباط الوجداني للافراد بتباين نظرتهم للأشكال المعبرة عن الوطن بما في ذلك النظرة الى الفرد وقيمته ومستوى الاهتمام بحاجاته وكرامته اضافة الى مستوى العدالة وسيادة القانون و مساحة المشاركة في صناعة القرار ومستوى الإيمان والتطبيق لمبدأ تكافؤ الفرص..

المهم في هذه المرحلة التي يتطوع فيها الكثيرين للحديث في السردية الأردنية أن يجري تناولها بهدوء وروية دون استعراض او تلميح ومحاولة إظهار الموضوع على انه شأن يخص مجموعة او فئة او شلة فكل من يحمل بطاقة أحوال مدنية هو اردني وكل من يعيش على هذه الأرض يتمنى لها الخير والاندماج الاجتماعي لا يتحقق بغير العدل والمساواة وتكافؤ الفرص .

مدار الساعة ـ