احتفلنا قبلَ أيامٍ بعيدِ ميلادِ جلالةِ الملك، كما نحتفلُ اليومَ بذكرى "الوفاءُ والبيعةُ"؛ مؤكدينَ التفافَنا حولَ رايةِ البناءِ والتعزيزِ التي يقودُها جلالةُ الملك عبدالله الثاني ابنُ الحسينِ، وإلى يمينِهِ وليُّ العهدِ الأمينُ؛ لتكونَ هذه المناسباتُ الوطنيةُ وغيرُها من المناسباتِ عنوانَ فخرٍ أردنيٍّ، وتأكيداً على أننا ماضونَ في مسيرتِنا، حريصونَ على خدمةِ وطنِنا بكفاءةٍ واقتدارٍ.
الوفاءُ للمغفورِ لهُ الملك الحسينِ بنِ طلالٍ ليسَ استذكاراً لمسيرةِ قائدٍ ملهمٍ قادَ الأردنَّ في مراحلَ حرجةٍ من تاريخِهِ فحسب، بل هو أيضاً تأكيدٌ على أنَّ مسيرةَ الأردنيينَ الأوائلِ من الإخلاصِ والعطاءِ ستظلُّ الصورةَ المشرقةَ لنا جيلاً بعدَ جيلٍ، وستظلُّ مصدرَ إشعاعٍ أردنيٍّ نرسمُ من خلالِهِ ثباتَ القيمِ الاجتماعيةِ، وتطورَ مساراتِ التنميةِ الوطنيةِ وفي كافةِ الأصعدةِ.أما البيعةُ المتجددةُ التي لا تنقطعُ، فهي عهدٌ ووعدٌ توارثناهُ في مدارجِ الفخارِ عن الأجدادِ والآباءِ، وهو نهجٌ يتوارثُهُ أبناؤُنا واضعينَ وطنَهم تاجاً فوقَ الرؤوسِ، وغرساً يروونَهُ بالدماءِ، ويفتدونَهُ بالأرواحِ والمهجِ.وبعيداً عن الوجدانياتِ التي أسوقُها هنا تأكيداً على قدسيةِ الأردنِّ ومكانةِ قيادتِهِ الهاشميةِ المباركةِ، فلا بدَّ من التأكيدِ على أننا -وقد أنجزنا مهمتَنا خلالَ المئويةِ الأولى بالعلامةِ الكاملةِ- فإننا نمضي في مئويتِنا الثانيةِ وقد عقدنا العزمَ على بناءِ منظومةِ عملٍ سياسيٍّ متجددةٍ، قادرةٍ على خوضِ التجاربِ والتحدياتِ السياسيةِ الإقليميةِ كما المحليةِ، واستمرارِنا في ممارسةِ دورِنا تجاهَ القضايا العروبيةِ والإسلاميةِ، ولضمانِ مشاركةِ المكونِ الاجتماعيِّ الأردنيِّ في صناعةِ المستقبلِ السياسيِّ، وتلمسِ احتياجاتِنا الواقعيةِ، وتطويرِ منظومةِ التشريعِ المحليِّ بما يليقُ بسمعةِ الأردنِّ ونخبويةِ المجتمعِ الأردنيِّ.وفي مسارٍ موازٍ، يقودُنا جلالةُ الملك نحو برنامجٍ اقتصاديٍّ نوعيٍّ يستثمرُ القيمةَ المضافةَ للإنتاجِ الأردنيِّ في مختلفِ القطاعاتِ الاقتصاديةِ، ويعززُ كفاءةَ السوقِ المحليِّ، ويستشرفُ الفرصَ الاقتصاديةَ المستحدثةَ، وخاصةً المرتبط منها بالرقمنةِ والتكنولوجيا. وبتنا نحصدُ اليومَ نتاجَ البدءِ المبكرِ بمشروعِنا الفكريِّ الوطنيِّ في مجالِ حوسبةِ التعليمِ وبناءِ شبكةٍ تكنولوجيةٍ ساهمت في خلقِ المعرفةِ، وبناءِ جيلٍ مميزٍ في هذه القطاعاتِ على المستوى العالميِّ.وهو ما ينسحبُ أيضاً على استثمارِ الأردنِّ بالعنصرِ البشريِّ الذي قال فيه الحسينُ: "الإنسانُ أغلى ما نملكُ"؛ فكان الأردنيُّ نموذجَ للبناء الـ معرفيٍّ في الكثيرِ من دولِ العالمِ، وكان خيرَ سفيرٍ لوطنٍ يعتزُّ بأبنائِهِ المخلصينَ.ولقد استطعنا في الأردنِّ أن نحافظَ على البنيةِ المؤسسيةِ للدولةِ وفقَ نماذجَ إداريةٍ حكوميةٍ رياديةٍ، وتطورت مؤسساتُنا المدنيةُ والعسكريةُ لتلبي احتياجاتِ المواطنِ الأردنيِّ وتقودَ التنميةَ الوطنيةَ، بل ولتساهمَ هذه المؤسساتُ برفدِ المؤسساتِ المشابهةِ في دولٍ أخرى بالخبرةِ والكفاءةِ، وبتنا نموذجاً عالمياً في قابليتِنا للتطورِ والتحديثِ.وبلا شكٍ، فإنَّ من الواجبِ أن نبنيَ في الأجيالِ القادمةِ ذاتَ القيمةِ الفكريةِ والثقافيةِ التي نشأنا عليها، وأن نترجمَ الدعمَ الملكيَّ إلى إنجازٍ وعملٍ وطنيٍّ، وأن نستلهمَ من سموِّ وليِّ العهدِ ضرورةَ الحفاظِ على موروثِنا الحضاريِّ وروايتِنا التاريخيةِ بالتزامنِ مع سبرِنا للمستقبلِ، وأن ندركَ أهميةَ مواجهةِ كلِّ تحدٍ يواجهُ وطنَنا بالهمةِ والمعرفةِ والعملِ الجادِّ.ختاماً، فإنَّ مجملَ القولِ أنَّ "الوفاءَ والبيعةَ" هو يومٌ وطنيٌ خالدٌ، ويجبُ أن يكونَ -كما كلُّ المناسباتِ الوطنيةِ- محركاً للعملِ ومحفزاً للإنجازِ، وأن نستثمرَ مثلَ هذه المناسباتِ لروايةِ تاريخِنا، وتعزيزِ حاضرِنا، وقدرتِنا على صناعةِ المستقبلِ الذي نريدُ، وأن نمضيَ بذاتِ الثقةِ التي مضى فيها المؤسسونَ من بناةِ الأردنِّ الأوائلِ؛ لنواجهَ كلَّ كارهٍ وحاقدٍ، وليظلَّ الأردنُّ واحةَ عزيزِ البناءِ، حصينَ الحدودِ، آمناً مستقراً بهمةِ أبنائِهِ وقيادتِهِ.وللتأكيد، فإنَّ تمسُّكَنا بهذهِ الثوابتِ الوطنيةِ ليسَ مجردَ مشاعرَ أو احتفاءٍ عابرٍ بمناسبةٍ وطنيةٍ، بل هوَ تجديدٌ للميثاقِ الراسخِ الذي يربطُ الشعبَ بقيادتِهِ الهاشميةِ؛ ميثاقٌ عنوانُهُ الوفاءُ، ومحركُهُ الإنجازُ، وغايتُهُ رفعةُ الأردنِّ. فبينما يستندُ حاضرُنا إلى إرثِ الحسينِ -طيبَ اللهُ ثراهُ-، فإننا نبني مستقبلَنا متطلعينَ إلى آفاقٍ عالميةٍ يرسمُ ملامحَها جلالةُ الملك عبداللهِ الثاني ووليُّ عهدِهِ الأمينُ، ويحملُ لواءَها جيلٌ من الشبابِ الأردنيِّ الواعدِ، المؤمنِ بأنَّ العملَ الجادَّ والمعرفةَ الرصينةَ هما السبيلُ ليبقى هذا الوطنُ -كما كانَ دوماً- منارةً للاستقرارِ ونموذجاً فريداً للعطاءِ في قلبِ المنطقةِ والعالمِ.الناصر يكتب: 'الوفاءُ والبيعةُ' .. نهجُ بناءٍ وتحديثٍ وعهدٌ أردنيٌّ راسخٌ
مدار الساعة ـ