مدار الساعة -في قلب منطقة أم الحول الحرة جنوبي الدوحة، تمتد منشأة أنيقة يختلط فيها الضوء المعدني مع رائحة الصهر الأولى للذهب الخام. هنا، داخل أروقة شركة فالكون للذهب والمعادن الثمينة (Falcon Gold & Precious Metals)، بدأت قطر تكتب فصلاً جديداً من تاريخها الصناعي، فصلٌ يضعها لأول مرة على خريطة تكرير الذهب وتداوله وفقاً لمعايير عالمية.
في هذا الصدد، يقول الرئيس التنفيذي للشركة، دوغلاس هاغو، بينما يشير إلى غرفة الصهر المضيئة خلف الزجاج "الهدف لم يكن بناء مصفاة تكرير فقط، بل إنشاء منظومة وطنية متكاملة تُبقي القيمة المضافة داخل الدولة". يشرح دوغلاس بحماس لـ"العربي الجديد" أن المشروع جاء استجابة لطموح وطني طويل المدى يهدف إلى تحويل قطر إلى مركز موثوق لتجارة المعادن الثمينة، وتقليص اعتماد السوق المحلي على الخارج في معالجة الذهب الخام.من الفكرة إلى الصناعةتأسست شركة فالكون للذهب والمعادن الثمينة برعاية استثمارية قطرية وخبرة تشغيلية دولية، بهدف توفير خدمات متكاملة تشمل التكرير، والفحص، والسكّ، والتخزين، والتداول الآمن. الفكرة، كما يوضح هاغو، ليست إنتاج السبائك فقط، بل خلق دورة اقتصادية متكاملة تدور بالكامل داخل قطر. ففي السابق، كانت كميات الذهب التي تستورد أو يعاد تدويرها تُرسل إلى الخارج (سويسرا والهند) للتكرير والمعالجة النهائية، ثم تعود إلى السوق المحلي بتكاليف أعلى. اليوم، مع وجود أول مصفاة في قطر تبقى العملية، من التسلّم حتى الدمغ، داخل الحدود.رحلة الذهب داخل المصفاةخلال الجولة، تُشاهد الفرق الفنية وهي تتعامل مع المواد الخام بدقة متناهية، تبدأ العملية بمرحلة التسلّم والتوثيق، حيث تُسجّل كل شحنة في نظام رقمي يضمن تتبع سلسلة الحيازة، ما يحافظ على الشفافية ويمنع الخلط بين مصادر الذهب.وبعد الفحص بالأشعة السينية (XRF) والاختبار بالنار (Fire Assay)، تبدأ مراحل الصهر والمعالجة المسبقة لإزالة الشوائب، قبل أن يخضع المعدن لعمليات الصهر المزدوج والتنقية النهائية عبر تقنيات الإلكتروليت أو "الأكواريجيا" للوصول إلى نقاء استثماري قد يتجاوز 99.99%.وتُختتم الرحلة في قسم السكّ والدمغ، إذ تُصب السبائك بأوزان مختلفة، من الغرامات القليلة حتى الكيلوغرام، وتختم بشعار الشركة وشهادة النقاء. ويشرح أحد الفنيين قائلاً: "كل سبيكة تخرج من هنا تمر بما لا يقل عن تسع مراحل اختبار مستقلة... لا شيء يُترك للمصادفة".وفقاً للرئيس التنفيذي، تبلغ الطاقة الإنتاجية الحالية للمصفاة نحو 600 كيلوغرام من الذهب يومياً، وهي طاقة كافية لتغطية احتياجات السوق المحلي والمؤسسات المالية والخزائن الخاصة. ومع أن الشركة ما تزال في مراحل تشغيلها الأولى، تمتلك خريطة طريق واضحة للتوسع تتضمن زيادة القدرة اليومية في السنوات المقبلة، خاصة مع النمو المتوقع في الطلب من البنوك والمستثمرين والأفراد. وقد شهدت السنوات الأخيرة ارتفاعاً في الإقبال على الاستثمار في الذهب داخل قطر، سواء من المستثمرين الأفراد باعتباره ملاذاً آمناً، أو من الجهات السيادية والمؤسسات المالية التي تنوّع محافظها بالمعادن الثمينة، إضافة إلى قطاع المجوهرات الفاخرة.وعلى المستوى المحلي، تركز المصفاة على نموذج الأعمال بين الشركات (B2B) من خلال الشراكات التجارية والمشاركة في الفعاليات القطاعية، وإدارة الحسابات المباشرة لصاغة الذهب والجهات المؤسسية، إلى جانب برامج تعليمية مثل الورش والإحاطات الفنية، والأنشطة الإعلامية لبناء الثقة. أما إقليمياً ودولياً، فيوضح الرئيس التنفيذي: "نستفيد من الشراكات الاستراتيجية في مجال التداول، والمشاركة في المعارض والمنتديات المتخصصة، والتعاون في العلامة التجارية مع شركاء موثوقين، إضافة إلى محتوى رقمي قيادي وتواصل موجه مع المستثمرين، بهدف إدراج المعادن المكررة لدى الشركة ضمن قنوات السيولة والمؤسسات الاستثمارية العالمية".
وبحسب تقديرات السوق، فإن حجم التداول في سوق الذهب القطرية يراوح بين 35 و40 طناً سنوياً، تشمل واردات المشغولات والسبائك وتجارة التجزئة، ومع وجود المصفاة، يُتوقع أن يزداد هذا الحجم تدريجياً بفضل توفر منتجات مكررة ومحلية المنشأ، ويقول هاغو: "نحن لا نبيع ذهباً فقط، بل نوفّر الثقة في كل غرام... هذه القيمة هي التي تبني سوقاً مستدامة".دعم الحرفيين والصاغة المحليينمن الجوانب اللافتة في استراتيجية "فالكون غولد" دعم الحرفيين وصنّاع المجوهرات في السوق المحلي، إذ تخطط الشركة لتقديم خدمات خاصة لهم تشمل تكرير الخردة الصناعية، وإنتاج سبائك صغيرة، وخدمات فحص ووسم معتمدة تُسهل عليهم ترويج منتجاتهم في الأسواق المحلية والخارجية. كما يشير هاغو إلى خطط لإطلاق برامج تدريب فني متقدمة لتأهيل كوادر قطرية ومقيمة ضمن القطاع، في خطوة تعزز مخرجات الرؤية الوطنية لتنمية الصناعات غير النفطية. وتُعد المصفاة بمثابة مختبر علمي متكامل، إذ تجمع بين الأدوات التقليدية الدقيقة مثل اختبار النار المخبري، والتقنيات الحديثة كالتحليل الطيفي بالكتلة (ICP–MS) وأنظمة الصهر بالتحريض الكهربائي عالية الدقة.











